e.f.d.m. arma


نحو قراءة مختلفة في المشهد الإرتري الراهن :

تفضي لتعزي المشروع النضالي المرحلي، وتضمن تحقيق التغييرالمنشود

 

كلمة أسرة تحرير قبيل

01 سبتمبر 2014م

الجزء الأول

 

ظللنا في إحيائنا لذكرى إنطلاقة شرارة سبتمبر من كل عام تدبيج البيانات أو المقالات والنصوص الإحتفائية بها، مستهيلين ذلك تمجيد أبطالها – وحقيقة هؤلاء الصناديد يستحقون اكثر مما نجود به أمام يوم محراب تضحياتهم العظيمة- لندلف إلى حث الأجيال الحالية للسير على دربهم، ومختتمين بالتنديد بالسلطة ونهجها وسياساتها، ودون أن نسعى لقراءة في أوضاعنا الجارية، وتحليل مكوناتها وظواهرها، وتوضيح الموقف منها، وفق معطيات نضالنا الراهن. وقبل أن نطبق هذا فعلا في كلمتنا هذه، نقف وقفة إجلال وتقدير لسبتمبر ورموزها ، ونؤكد أننا دوما على دربها سائرون ولتحقيق أهدافها مناضلون ، حيث نقول:-

 

ظلت الحركة الفيدرالية الديمقراطية الإريترية لعقد ونيف – وهو حقبة وجودها ككيان سياسي في الوسط الإريتري – تكرس جهدها الفكري والنضالي اليومي باحثة عن مساحة ممكنة بين مكونات قوى النضال المرحلي الحالي، يمكن فيها وضع لبنات أساسية لكيان نضالي مرحلي جامع لكافة أطيافها السياسية والمدنية والمجتمعية والفئوية- وبكل ما تحمله من خلافات وتباينات وتناقضات، تتراوح ما بين الموروثات التاريخية، وما خلفته أزمات مرحلة الثورة، وما أنتجه إنفراد فصيل بمكتسبات النضال الإرتري، وتكريسه لأوضاع في العقدين الماضيين، تعتبر محل خلاف وتباين– ليكون هذا الكيان المرحلي البوتقة التي تصهرفيها طاقات مختلف هذه القوى، لإنجاز التغيير الذي تلهج به كافة الألسن الإريترية اليوم، آنى كانت مشاربها ودوافعها وتطلعاتها.

والدافع الأساس لهذا المسعى النضالي المرحلي كان- ولم يزل- إيمانها العميق والراسخ بأهمية خلق ثقافة إريترية حديثة قادرة على إكساب الثوابت الوطنية الإريترية آفاق رحبة، لمفاهيم باتت مفرداتها تطرح في الخطاب السياسي والثقافة الإريترية، ومن أهمها التعددية السياسية والقبول بالآخر والديمقراطية والشراكة الوطنية وغيرها، خاصة وأن تأثير هذه المفردات تتجاوز طنين الحداثة اللفظية في مسامع الأذن الإريترية ذات الاحادية السمعية في كافة المستويات، إلى أبعاد أكثر شمولا، وتتطلب من واقعنا السياسي والمجتمعي والثقافي إثبات قدرته على التعامل معها في مختلف اطره التنظيمية، خاصة كانت أم عامة، وبما يبلور مشهد إريتري مختلف عماّ ساد الحقب الماضية، في سياق إيجاد الأرضية اللازمة للتغيير المنشود، والذي تتبارى مختلف هذه المكونات لتحقيقه بجهدها الذاتي أو الجمعي على السواء.

والدافع المباشر لتسطير هذه الكلمة يتمثل فيما يتصل بين تلك المفردات، وعلاقتها بتفاعل معطى وظواهرعامة، ألقت بظلالها في المشهد الإرتيري خلال عامنا هذا، على صعيدي السلطة وقوى النضال من أجل التغيير، وتتطلب منا قراءة مختلفة رأيناها كما يلي:-

 

على صعيد السلطة:

هذا المعطى تمثل في الحديث الباهت والمبتسر الذي ورد في كلمة رأس السطة بمناسبة ذكرى الرابع والعشرين من مايو الماضي2014م، عن إعداد دستور جديد للبلاد، بعد أن قطع جازما في حديث سبقه بأشهرمعدودة (.. أن من يحلم بإرتريا تمارس فيها ديمقراطية وتعددية سياسية وإنتخابات، مثل بقية دول العالم، إنما يعيش في كوكب آخر ..!؟)، وكأنّ إريتريا وإنسانها غير جديرين بذلك مثل بقية الدول ومواطنيها..!؟ فما أفظع الصلف والغرور المرضي الذي بلغه رأس هذه السلطة ..!!؟ والسؤال في هذا الشان لا يتمثل في ماذا الذي بدّل تلك القناعة الراسخة والجازمة، وتحوّلت إلى تقديم وعد – يتحقق أو لا يتحقق- ولكن ما المانع أن يكون ذلك مقدمة لتكريس معطيات الواقع الإريتري الحالي، وإكسابه مشروعية ما ، لدق إسفين في قادمات الأيام ، وتسميم مستقبل الأجيال القادمة..!؟

  • وقراءة للمعطى والظواهر، فإننا في الحركة الفيدرالية الديقراطية الإريترية، وبحكم تشخيصها لطبيعة السلطة القائمة في إرتريا، ووعينا بمحدودية قدرتها في إنجاز حلول للمآزق التي جرّتها على البلاد والعباد، ما كنا لنتفاجئ بتغيير أساسي يحدث بتلك الإشارة المبهمة التي أطلقت في سياق ما تعانيه السلطة من ازمات بين أركانها وأزلامها، ناهيك أن تنجز إختراقا جوهريا في مسلكها الثابت لعقدين ونيف من إمساكها بمقاليد الأمور في إرتريا. فالتحول إلى دولة دستورية، إنما يكون نتاجا لمتغيرات تحدث على الأرض، وتبادر إليها السلطة بقطع نهجها القمعي، وإعلان رغبتها في إجراء مصالحة وطنية شاملة، وتهيئة مناخ صحي للمشاركة العامة -أنى كانت مساحتها- وبعيد عن أساليب إيجاد ملهاة عند كل مناسبة يتفوه فيها كما درج على ذلك رأس السلطة. لذلك فإننا نرى بوضوح أن الدافع الأساسي لذلك كان مجرد رهان تجاه مطالب ومطالب الوفود الدولية الزائرة للبلاد في العامين المنصرمين، لإحداث تحوّل مقبول – من المجتمع الدولي في الحد الأدنى- ضمن نهج وسياسات إحتواء الوضع الإريتري، خاصة بعد حركة الحادي والعشرون من ينايرلعام 2013م والتي أربكت ليس فقط الساحة المحلية أو بين أطياف قوى النضال من أجل التغيير، وإنما إمتد أثرها للمحيطين الإقليمي والدولي، لضمان شكل من الإنتقال الهادئ للسلطة في البلاد، ودون أن يحدث ذلك إرباكا أساسيا في المنطقة التي تعاني تداعيات الإنهيارات والمتغيرات، ولتوفير مصوغات محلية تفضي لإستدرار عطف ودعم المجتمع الدولي، علّ ذلك يساعد السلطة في فك ضائقتها الإقتصادية . لكن ذلك لم يمنع أن نرى أيضا البعد الآخر لتلك الإشارة الخافتة، لإستحداث وضع دستوري جديد في إريتريا، يكون جوهر منطلقاته الفكرية وفصوله ومواده، تكريس ما تراه السلطة إنجازاتها الإستراتيجية في طبيعة الأوضاع بالبلاد، ومن أبرز ذلك المسخ الثقافي والتغيير الديمغرافي، عبر نهج وسياسات الإقصاء والتهجير والتوطين القسريين، في معادلة دستورية، تؤمن عناصر الصراع بين المكونات الإجتماعية الإريترية، بين المطالبين بالحقوق الطبيعية والمشروعة تجاه قضايا الأرض والتقسيم العادل للثروة والسلطة، وبين من يرون في أوضاع الراهن الإريتري، منجزا تاريخيا بجب دفاعهم عنه.

     

    على صعيدي قوى النضال من أجل التغيير:

  •  على صعيد الشعبية

    إن التطور الأبرز - في صعيد قوى النضال من أجل التغيير - منذ نهاية العام الماضي ومطلع الحالي ، تتمثل في ظاهرة تحركات بعض رموز الجبهة الشعبية التاريخيين في الخارج، لتشكيل أطار سياسي، وسعيهم ليكونوا في صدارة قوى التغيير القادم، وفق حساباتهم، ولصالح ما يعتبروه إرثا خاصا بهم، ولإحداث التغيير بوسائلهم الخاصة أيضا، الأمر الذي يثير عديد تساؤلات في ساحة قوى النضال من أجل التغيير التاريخية. ونحن في الحركة الفيدرالية:-

    (أ) ما يعنينا في هذا السياق بصورة مباشرة، بروز توجهات بين بعض االأفراد و"مشاريع التنظيمات" التي تعد نفسها في معسكر التغيير، وتتماهى مع أطروحات السلطة، ومن أبرز عناوين ذلك، السعي لضرب أسس الثوابت الوطنية الإرترية ورموزها التاريخية، والمطالبة العلنية في بعض المؤتمرات المنعقدة أخيرا لبعض هذه "المشاريع" ، بإلغاء وطنية اللغة العربية ورسميتها في إريتريا، وإقرار اللغة التجرينية لغة رسمية للبلاد، لأنها إستطاعت تحديد الهوية الإريترية عبر سياسات السلطة القهرية، بحسب إدعاءاتهم الباهتة التي تنم عن شيفونية بينّة، لا ينكرها سوى متواطئ مع من يطرحونها. والخطورة هنا لا تكمن فقط في ما يمثله ذلك من خرق لثوابت وطنية إرترية راسخة، لم تكن موضع نزاع، وإن لم تفعل كما ينبغي، وإنما ما يعكسه ذلك من بدء سلسلة تراجعات في كافة السياقات الأخرى، كالتعددية الإجتماعية والثقافية الإرترية، ومن ثم سياسيا، حاضرا ومستقبلا. وجوهر تساؤلنا في هذا الصدد، لايتمثل في ما الذي يتبقى من مشتركات نضالنا الراهن ومواثيقه المدبجة، إذا ما حدث تحوّل واضح وإصطفاف خلف مشاريع السلطة ضمن رهانات هذه القوى التي لا تخفي عدائها للقوى الميثاقية في محافلها الخاصة والعامة (ودي فيكارو ، ومؤتمر شباب مقلي وتداعياته نموذجان)، بقدرما نطرحه في كيفية تعامل وقدرة قوى النضال الحقيقية للرد على هذه الإنحرافات الكلّيّة بين أطياف بعض معسكر قوى المطالبة بالتغيير، وتحديد المواقف المشتركة لقوى النضال من ماهية وطبيعةالتغيير الذي ترتضيه هذه القوى .!؟ وهل يقف في حدود تغييب بعض رموز السلطة وأزلامها بأي شكل كان، والإبقاء على منجزاتها المدمرة للتكوينات الإجتماعية ووطنها المشترك خلال عقدين ونيف..!؟ أم يتعدى ذلك إلى تناسب مع مطالب التغيير الجذري في النهج والممارسة، كما تطرحها مواثيق وأدبيات كياناتنا العامة..!؟ تساؤلات مطروحة برسم الكيانات الميثاقية القائمة، والمنتظر إحداث نقلة ما في بنيتها ومسيرتها خلال الأشهر القليلة القادمة..!!؟ فلمن تقرع الأجراس ..!! وفي هكذا مشهد..!!؟

    (بـ ) وبموازات ما ذكر أعلاه كان بروز تحركات بعض القيادات والكوادرالسابقة بالجبهة الشعبية لتحرير إرتريا، خاصة بعد الهزة العميقة التي خلفتها حركة الحادي والعشرين من يناير العام الماضي (مدرك نموزجا) ، والتي فتحت أكثر من سباق بين هؤلاء القيادات والكوادرالسابقة - أصحاب مشروع إستنساخ تجربة الشعبية بدون أسياس - من جهة، ومن جهة أخرى مبادرة السلطة لإستنساخ تجربة الجبهة الشعبية التاريخية (برأسها وشحمها ولحمها) عبر سلسلة السمنارات التي عقدت في العام الماضي، ولم تزل مستمرة. وبرغم أن التزامن بين التحرك والمبادرة الإستنساخية يطرح تساؤلات ذات دلالات هامة، فإنه يمكن إعتبار ذلك أمرا مفهوما في ظل الدوافع المشتركة بين السلطة القائمة وكوادرها وقياداتها السابقين، بحكم أواصر الإنتماء التنظيمي والإجتماعي والثقافي.

    وإذا كان من الطبيعي الإقرار بحق أي جماعة إريترية في تشكيل كيانها الخاص، وطرح مرئياتها الفكرية والسياسية وسبل تحقيقها أمام الملآ، فإن محور الساؤلات المشروعة أيضا تتمثل في قدرة هذه القوى على تجاوز الكثير من مفاهيمها التي ترسخت خلال عقود نضالية سابقة، وحقيقة التحوّلات التي إكتسبتها، بعيدا عن مؤثرات قربها من أركان السلطة، ومراكز القرار فيها، ولآي مدى تطرح مفاهيم ورؤى تقرّبها من قوى النضال المرحلي الجاري، خاصة وأن المطروح علنا منها لا يتجاوز السعي لإحداث تغيير من الداخل، وبما يحقق أهدافها التاريخية بصفة أساسية، وبعيدا عن كيانات وقوى النضال المرحلي الجاري ، ودون الإلتزام بأطرها أو التلاقي مع مواثيقها ..!! فلأي مدى يمكن إعتبار هذا معطى جديد ضمن صفوف المعسكر النضالي المرحلي ..!!؟ تساؤلات تبحث عن إجابات واضحة، وغير قابلة للبس والضبابية، وبعيدا عن الرهانات اللحظية، لتحقيق قدر من مكاسب، وإن كانت فاتورته أكبر مما دفع في التهافت الذي جرى، عقب التحرير في بداية تسعينات القرن الماضي. وهذه الإجابات مطلوبه من كافة قوى النضال، من كيانات عامة وخاصة، وشبكات مدنية وثقافية ومجتمعية، وبقدر أكبر من رواد هذا التحرك من قيادات كوادر سابقة بالجبهة الشعبية التاريخية، والمطالبين قبل سواهم بتقديم كشف حساب بمستوى ودرجات تغيّرهم، ليكونوا دعاة تغيير، ناهيك أن يتحولوا لقادته المنتظرين ..!!؟ فالمرأ، وكذلك الجماعات والكيانات الخاصة أو العامة، أسيرة نهجها الثقافي والتربوي ..!!؟ وما الذي يمنع أن يكون مشروعهم نسخا كربونيا آخر لمشروع الإستنساخ الذي تسعى إليه السلطة ودهاقنتها، فيما دعت الضرورات لجعله البديل المفضل عن قوى تغيير حقيقية يخلط وصولها الأوراق والحسابات والرهانات..!؟

     

     

    وفيدراليتنا للشراكة !!

     

    ونستودكم الله الي أن نلتقي في الجزء الثاني حول: حول موضوع المنخفضات.