* الحصاد المر *

تعود زعماء الدول عند ظهورهم في المناسبات الكبيرة مثل عيد الاستقلال أن يخرجوا على شعوبهم بخطاب يعددون فيه الإنجازات التي تحققت خلال الأعوام التي مضت، كذلك يطلقون وعودا للمستقبل ويتحدثون عن مكرمة يبشرون بها الشعب بالمناسبة السعيدة، وأكثر ما ينتظره الشعب ويفرح به في مثل هذه المناسبات من زعيم البلد هو على سبيل المثال إصلاحات في الحكم، إطلاق سراح السجناء السياسيين، محاربة الفساد، إطلاق الحريات العامة، وأشياء من هذا القبيل، لكن ما سمعناه يوم الاحتفال بالعيد السابع والعشرون للأسف الشديد هو نفس الكلام الممل والأسطوانة المشروخة،

حيث لم يأتي بأي جديد كالعادة، خطابه الذي كان أقل من ربع ساعة هذه المرة هو أقصر خطاب يلقيه على الإطلاق بمناسبة أعياد الاستقلال، ربما لأن حالته الصحية غير مستقرة كما سمعنا خلال الأسابيع الماضية، حيث كانت ظاهرة على وجهه وكلماته وطريقة أدائه، وما عدم تتبع الكاميرا له أثناء خطابه وعدم التركيز على منصته، إلا دليل آخر على أن الرجل يمر بظروف صحية صعبة.

 

كثيرا ما سمعنا بأن الثورةً تأكل أبناءها وهذه ربما تكون الحقيقة التي يعيشها شعبنا الأبي، الذي قدم كل غال ونفيس لتكون ارتريا وشعبها كبقية شعوب العالم تنعم بالحرية والكرامة والعدل والاستقرار، وبالرغم من اعتقادنا أن مقولة

"الثورة تأكل أبنائها" كان يقصد بها أنه بعد انتصار أي ثورة واستلام الحكم، تتصارع قيادة الثوار ويطيح بعضها ببعض ويأكل بعضها بعضا، وهذا ما حدث في معظم تاريخ الثورات بعد الاستقلال حيث اطيح بزعماء من قيادات الثورة، أمثال/ محمد نجيب / في مصر ، وبن بيلا / في الجزائر، وتشي جفارا / في كوبا، وصلاح جديد / في سوريا، هذا على سبيل المثال لا الحصر، لكن الغريب في الأمر والمصيبة الكبرى ما يحدث عندنا، ذلك ان / الطاغية اسياس لم يكتفي بإطاحة زملائه من قيادات الشعبية فقط، باغتيال بعضهم وسجن البعض الآخر حتى الموت، بل تعداهم إلى التنكيل بالشعب الارتري كله بزجه في حروب عبثية، وحرمانه من ابسط حقوقه الانسانية، ووصل به الحال إلى حدِّ التجويع والنفي والمطاردة بالرصاص الحي حتى للذين يحاولون الفرار بجلودهم وترك بلادهم له ولزبانيته.

 

كان شعبنا يأمل أن يفرح بيوم النصر الحقيقي، إلا أن واقع الحال المعاش أصبح عكس ذلك تماما، مزيدا من الشقاء والسجون والاخفاء القسري وازهاق للأرواح البريئة وشظف في العيش.

 

كل هذه الامور دفعت بالمواطن لأن يتمني عودة المستعمر الاثيوبي وهذا ما دفعنا لنتساءل هل هذه الطغمة التي استولت على مقاليد الامور في يوم 05/24 قبل 27عاما كانت قد تسللت الى جسم الثورة خادعة المجتمع الارتري بشعارات ثورية مخفية اجندتها الحقيقية التي لا تتوافق مع طموحات الشعب الارتري، حيث كان من المستحيل تحقيقها في لحظات العنفوان الثوري الذي عاشته كل مكونات المجتمع الارتري،

اننا وبعد كل تلك التضحيات التي قدمت نطرح هذا التساؤل في هذه المرحلة لأن هناك ظواهر عديدة اخذت تطفوا علي الساحة السياسية الارترية مثل الاقازيان ودعواتهم المتطرفة والتي تتماشي مع ما كان يطرح من قبل رجالات اثيوبيا (نريد ارض بدون شعب) وتحقيقا لذلك الهدف مارسوا سياسية الارض المحروقة التي ادت إلي لجوء اعداد كبيرة للسودان في معسكرات تنعدم فيها سبل العيش الكريم، وبعد كل سنوات التشريد نجد منع هؤلاء من العودة إلي مدنهم وقراهم التي هجروا منها، وفي نفس تلك المناطق نري توزيع للأراضي علي مكون ارتري بعينه وتسليحه للدفاع عن اراضي يعلم انه لا يستحقها

كما أننا نسمع عن لقاءات وسيمنا رات معلنة وغير معلنة تدعوا إلى فيدرالية او كونفدرالية مع اثيوبيا لا بل الوحدة الكاملة، ويعلم اصحاب هذه الدعوات ويفهمون أكثر من غيرهم الشروط التي يجب أن تتوفر لتحقيق مثل هكذا دول، وأولها أن تأتي بناءا على الإرادة الشعبية الحرة، وأن تكوينها بناءا على رغبات حكام او نخب يجعلها زائفة وزائلة بزوالهم.

وعليه يكون لزاما علينا أن نتساءل، لماذا تطرح مثل هذه الامور الآن؟؟؟

الإجابة الواضحة هي من اجل إلهاء المجتمع وصرفه عن الهدف الأصلي المتمثل في إحداث التغيير وإزالة النظام، واقامة نظام قائم على المواطنة تحدد فيه الحقوق والواجبات، ودور مؤسسات الدولة والعلاقة بين الحاكم والمحكوم.

انه لمن المؤسف حقا وبعد كل التضحيات التي قدمها الشعب الارتري بكافة مكوناته خلال الثلاثون عاما أن يصل إلى دولة شبه فاشلة، إنه "لحصاد مر" أن يفرض على جيل الاستقلال تقديم تضحيات جسام، لكي يحافظوا على تضحيات جيل الثورة الذين قدًموا واجبهم على أكمل وجه في ظروف صعبة جدا، فهل هناك استعداد من شباب اليوم لذلك خاصة وإن الواقع الإقليمي والدولي قد تغيير فلا الحرب الباردة موجودة ولا الداعم العربي مالك لقراره، لا بل حتى الشعوب المحبة للحرية والعدالة الاجتماعية مطلقة يدها بل مسلط عليها حجج محاربة الارهاب،

وأمام هذا "الحصاد المر" لكل سنين النضال والتضحيات فإن المنطق يفرض على قوي التغيير المنشود رص صفوفها بعيدا عن التنظير والتغني بأحداث انجزت في الماضي، والترفع عن الصغائر وكل ذلك لكي يكون معنى للحرية والاستقلال ومن أجل أن يتهلل وجه شعبنا بعيد النصر.