ليس دفاعا عن إثيوبيا ولكن:

---------------

أحمد شريف

---------------

هاهي أثيوبيا تفاجئنا من جديد!!! رئيس وزرائها الجديد، دكتور/ ابي أحمد، الذي بدأ أولى خطواته في رأب (الصدع الإثيوبي) عبر كلمته الأولى المتزنة أولا، ثم من خلال زياراته الميدانية إلى أقاليم أثيوبيا المترامية التي باشرها قبل أيام ولا تزال، تسقط كل الأقنعة التي راهنت في المكون العقدي لرئيس الوزاء الشاب فكرا وممارسة حتى ولو لساعات!

 

ظهر رئيس الوزراء بمستوى الحدث في أولى خطاب له داخل قبة البرلمان الإثيوبي أمام كل القوى المتصارعة المتحاربة، تأكيدا على عافية أثيوبيا على الأقل في الممارسة الديمقراطية أيا كان شكلها.حتى الديمقراطية الإوروبية التي يستشهد بها في المنعرجات السياسية، مرت بعراك واقتتال فكري سياسي، حتى رست إلى ماهي عليه الآن من الدعة والردة!! وما يشوبها من تعثر في بعض جوانبها.

 

رئيس الوزراء الجديد، وإن جاء لونه متأثرا بالخلفية العسكرية والاستخباراتية، إلا أنه أقرب إلى عقل ( تكنوقراطي لعسكري سابق) - سيما وأنه قد تطلع بهذا المعيار؛ بالتالي يظل مثل هكذا حلول، الخيار الأنسب لمثل هكذا شعب المكون من فسيفساء أثني قبلي!!

 

البداية الصحيحة، مآلاتها تكون صحيحة!! فبرغم تعقيدات المرحلة التي وصل فيها الدكتور (أبيي) واعتباره البعض، مجرد حصان طروادة للمكونات الإثنية التي تتحارب فكرا وعملا في إثيوبيا (الأمة)، وسط مماحكات سياسية خاصة بين قوميتي (الأمهرة والأرومو) في وجه قومية (التجراي)؛ ؛ نتاج إخفاقات سياسية من الأخيرة خاصة ما يتعلق بقسمة السلطة التي تجاوزت أحيانا منطق الفهم في ذهنية وعقلية (الأمهرة) على وجه التحديد، سيما وقد سيطرت عليها حسابات تاريخية قديمة، مصحوبة بنظرة سالبة في أحقية تولي آلية الحكم في أجواء الديمقراطية التي أوجدتها الحرب التحررية ضد حكم هيمنة الإقطاعيين، وآفة الفكر الشوفيني الأحمر الذي ذهب أدراجه مع الريح من جهة، وتحالف الأعداء (أورومو + أمهرة) تجاه عدو متصور في بعض جوانبه، في هكذا أجواء، جاء رئيس الوزاء الجديد، ورهان نجاحه يقارب (الصفر) لدى البعض، سيما الذين فهموا مستقبل أثيوبيا على خلفية الاضطرابات التي أدمنتها لسنوات طويلة، في هكذا أجواء مشحونة بالتوتر، جاء الرجل ليقول كلمته في سجل تاريخ الأمة الإثيوبية!!

 

بدأها بأكثر الأقاليم توترا وسط تكنهات متضاربة، أتبعها ميدانيا إقليم (تجراي) وهنا جاءت المفاجئة الكبرى!! الرجل وبفهم عميق لحجم الأزمة وترسباتها التاريخية؛ سحب البساط بخطوة سياسية، تجاوزت دلالات الحديث بلغة القوم (الذين تلاقت على أنجازاتها وبعض إخفاقاتها) خصومها التقليديين (الأورومو والأمهرة)، عندما دلف إلى لغة (التجرنية)، فأضاف كسبا سياسيا فريدا في تاريخ حكم (الملوك والعسكر) في تاريخ أثيوبيا العريق، بالتالي يستحق الرجل عن جدارة أن يسمى رئيس وزراء إثيوبيا الحقيقية لأول مرة، تشهده إثيوبيا في تاريخها الحديث.

 

ماذا يعني أن يتحدث رئيس وزراء أثيوبيا الجديد، بلغة من يتوجه إليهم في كل أقاليم البلاد ( الأمهرية + الأورومية + التجرينية)؟ وقد يفاجئنا غدا بلغة إثيوبية أخرى؟ نتساءل ما ذا يعني ذلك؟ هذا يعني بطلان إدعاء توحيد أمة وفرضها بقوة وقهر، أيا كان تعداد أهل تلك اللغة، وحتى لو حتى لو كانت (الأمهرية) في الحالة الأثيوبية، خاصة وقد صنع لها أصحابها أي (الأمهرية)، ذهنية إعجاب ووله سيطر على عقول الشعوب الإثيوبية غير الأمهرية، وتعدى إلى عقلية شعوب دول الجوار!!

 

أن يتحدث رئيس وزراء إثيوبيا (الأوروموي) لغة قومية أتهمها أهله بالظلم المتعمد، وصفق له أعداء الفريقين (الأمهرا)، هذا الحدث يعني أن إثيوبيا بحق أمام تاريخ وفصل جديد؛ لأن اللغة ليست مجرد تواصل كما يظن بعض الشذج، ولكنها فكر ورؤية وممارسة سياسية، خاصة في مجتمعات العالم الثالث.

 

وهنا يحضرني رئيس (المستعمر الوطني) في أسمرا، (إسياس أفورقي)، المتربع على عرش السلطة لأكثر من ٢٧ عاما، لم يتجاسر ولو لمرة واحدة في خطاباته الرسمية التي حفظها الشعب حتى ملَّها (لسخافتها وسندكاليتها)، لم يمارس (المستعمر) فعلا سياسيا راقيا، ولو من باب المصلحة السياسية، أن يتحدث بلغة أخرى مثل العربية التي يجيد الأفصاح بها على (عُجمة واضحة)، أو لغة (التقريت) التي يجيدها بل يمتلك ناصية بلاغتها، على الأقل هاتين اللغتين، لم يتفوه بها كما قلنا؛ لأن (الرجل) لا يمارس سياسية بقدر ما يمارس هيمنة واستعمار، ولعل قوله في إحدى تسجيلاته (صورة وصوت) المتداولة في وسائل التواصل الحديثه، ما يؤكد إلى الاستعمار اللغوي (التجرينية) التي فرضها على الشعب الإرتري بقوة السلاح لا غير.

 

وكالعادة سوف لن يُعجب بعض (القاعدين) من أولي الضرر، أي شيء يأتي من أثيوبيا؛ حتى وإن كان بهذا القدر من النضج السياسي؛ فتوجيه الخطاب الرسمي إلى المواطنين بلغاتهم (حين مقدرة وميسرة)، يعني إستحقاقات المواطنة، كما أنه يمثل تسجيل نقاط في دفتر الوطنية، والعكس صحيح!!!

 

كل التقدير، للدكتور أبيي أحمد، رئيس وزارء إثيوبيا، في إحترامه ثقافات شعوبه وتقدير خياراتها (لغاتها). فالعاقل من تعلم من غيره، حتى لو جاء متأخرا !! وأن إمساك كتاب (الاستعمار) بكلتا يدين، دون تدبر صفحاته أو تحري فصوله، لا يعني إلا حالتين: الأولى : أن يسقط الكتاب من يديك ولو بعد حين بفعل الارتجاج الذهني! الثانية : أنك سترمي بالكتاب بنفسك، عندما تجد جسمك كله وقد ذهب مع رياح التغيير القادمة لا محالة.

 

تحياتي