وطنٌ لا يُهَـدِّينا إلاَّ المواجعَ والإِحَن

---------------------------------------------

البطل المغوار (دنقس أري) في ذمة الله

أحمد شريف

 

حظنا أن لا نقرأ عن أخبار الوطن، إلا أنباء الفواجع والملمات!! في أوطان الشتات والمهاجر التي توزعناها أفرادا وجماعات، نطالع أخبار الرحيل والاعتقالات والهروب صباح مساء يا لها من حياة !! نطوي صفحة خبر أليم؛ لنفتح خبرا آخر أكثر إيلاما ووجيعة !!

اليوم السبت الـ 31 من مارس 2018 ، توشحت إرتريا ثوب السواد،

 برحيل بطل من أبطال جيش التحرير، أحد صناديد إرتريا الأشاوس المغوار المناضل المغفور له / دنقس أري. فقد لبَّى نداء ربه بمدنية (مقلو) (مقل) عن عمر ناهز الـ 80 عاما، رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته.

 

تموت الذرى كالعادة بلا ضجيج ولا سرادق عزاء رسمي!! (دنقس أري) هامة من هامات الوطن الذي عُرف بصمودهم وبطولاتهم، لكنهم لم يتذوقوا طعما للحرية كما ينبغي!! ولا لونا للانعتاق كما أشتهتها أنفسهم. أزعم أن كل حصاد هذا الشيخ البطل من معين الحرية والاستقلال (المسروقين)، لم يتعد سقف بيتٌ متواضع في المدينة التي لبَّى فيها نداء ربه!! بيتٌ وقاه فقط شر سؤال الناس حتى نداءه الأخير! بيتٌ لم يُفرش بالرياحين والزهور! بيتٌ عافي إنائه كان الأسودان (تمرا وماء)! هذا إذا ما تبسم له الحظ وما أكثر حظه وحظ أقرانه عبوسا!! وطن يرحل عنه مثل هؤلاء جسدا، بعد أن رحلوا عنه قيما ومعان ومبادئ! بيتٌ وما أدرانا ما بيتٌ!!!

وطنٌ تنكَّب الطريق منذ الخطوة الأولى نحو عتبة الاستقلال! وطن فَرش له أعداؤه كل متاريس التوقف والانزواء! وطنٌ لم يكحل عيون أبطاله بابتسامة راضية !! وطنٌ باعه سماسرة النطيحة، بثمن بخس في سوق القمار! يرحل (دنقس أري) كغيره من الأشاوس والنجوم، ولم يرو قط سنبلةً واحدة قد أينعت، وحان وقت حصادها! وطن فداها (أري) ورفاقه بأندى زهرات أعمارهم، يرحلون وفي عيونهم حسرة النهايات وخيانة الأمانة!! وطنٌ لا نعرف في لغة الكتابة عنه، إلاَّ علامات التعجب من علامات الترقيم !!!!!!

 

تنظر إلى وجوه أولئك النشاما، فترى ما في قلوبهم وأرواحهم من أهوال الزمن الفجيع! مات كل شيء أمامهم وهم أحياء! رحلوا وهم يسمَّعون النحيب والعويل من أفئدة العذارى والشيوخ!! هرموا والوطن مازال غضا نضيرا في عقولهم!! فما أجدى نضار هذا وجفاف ذاك!! اليوم لا تقرأ على قبرك أيها البطل الهمام، إلاَّ فاتحة الوداع المر! لكل أجل كتاب، ولكن ما أقسى آجال أحلامهم، وما أسوأها أنها كانت في غير موضعها! أسئلة كثيرة تتغشانا في هكذا وداع أليم ! وداع الكبار في زمن استأسد فيه الصغار!! كيف عاش البطل بقية حياته بعد أن تقدم به العمر في تلك الفيافي والقفار ؟ كيف أدار متطلباته وحاجاته الكثيرة في ظل ضيق ذات اليد ؟ وكيف ؟ لماذا ؟ متى ؟ أين ؟ أسئلة حيرى كثيرة، تتلبسنا نحن الذين لا نجيد غير فن البكاء على الأبطال ! رحمك الله يا مدرسة في البطولة، البساطة، الشهامة، العفة والتواضع، عفوية الحياة، طرفها مِلحها وبُهارها.

 

اللهم أنزله منزلة الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. آمين.