altبقلم الأستاذ / محمد صالح مجاوراي

عضو المجلس الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي

 

جاءت ورشة فرانكفورت ولقاء نيروبى الأخير لعدد من تنظيمات المعارضة الارتريـة فى ظل الجمود الذى يمر به المجلس الوطنى الارترى للتغيير الديموقراطى هذه الأيام بسبب فشل قيادة المجلس من التفاهم فيما بينهما بخصوص التحضير للمؤتمر الثانى للمجلس الذى كان مزمعا عقده نهاية هذا العام.

 

وتسير الأمور وكأن اللقاءات الأخيرة جاءت لتكون بديلا للمجلس الوطنى الارترى أو مسارا جديدا علينا السير فيه بل ينادى البعض الى نسيان المجلس ووضعه فى ارشيف التاريخ الارترى. والحقيقة أنا لست من الداعين بعدم التجاوب مع الدعوات الأخيرة التى وجهت للتنظيمات الارترية سواء فى فرانكفورت أو فى كينيا.  كما أننى لا أرى بالانعزالية وعدم التجاوب مع بعض قوى المعارضة الارترية التى ظهرت مؤخرا وخرجت من عباءة النظام رغم أنها كانت مشاركة يوما فى مآسى الشعب الارترى.  بل أرى أن يفتح هذا الباب وأن يتم التفاهم مع هذه القوى الجديدة للاسراع فى عملية اسقاط النظام كما أرى بضرورة فتح قنوات الاتصال والتفاهم مع معارضة الداخل ولعل هذه القوى التى كانت يوما جزء من النظام تساعد فى هذا الأمر،  ولكن…..

 

ليس من الحكمة أن تقوم قوى المعارضة الارترية والتى كونت المجلس الوطنى الذى يعتبر أكبر مظلة للمعارضة الارترية حاليا بهدم مابنته فى عشرات السنين من أجل ورشة أو لقاء سياسى لم يتجاوز انعقاده عدد من الساعات وتم فيه الاتفاق علي عموميات فى أغلبها هى ضمن توافقات المجلس الوطنى.

 

صحيح أن المجلس الوطنى منذ تكوينه ظل ضعيفا لايؤدى الدور المنوط به رغم مايملكه من قوة سياسية لاتضاهيها أية قوة معارضة أخرى – ان هى فعلت – بتشديد العين وضم الفاء نظرا لكونه يعتبر أكبر تجمع نوعى وكمى شهدته الساحة الارتريـة فى السنوات الأخيرة.  وعلى الرغم من هذا الضعف ظلت القوى السياسية المختلفة وجماهير المعارضة الارترية متمسكة به نظرا لانعدام مثيل له فى الساحة الارترية فى الوقت الحاضر ولكونه يمثل  أعلى سقف تنظيمى وصلت اليه المعارضة الارترية فى نضالها للتغيير.

 

لماذا علينا أن نحرص على المجلس الوطنى الارترى للتغيير الديموقراطى؟  حتى تتبين لنا أهمية المجلس ولماذا يجب التمسك به وتفعيلــه لابد من استحضار أبرز ماتحقق بانشاء المجلس الوطنى الارترى ومايميزه عن غيره من الأطر السياسية الحالية:

 

يضم المجلس الوطنى أكبر تجمع سياسى ومدنى متنوع للمعارضة الارترية فى التأريخ الارترى الحديث (مثلهم أكثر من ستمائة شخص فى مؤتمر أواسا 2011م ) فيه غالبية التنظيمات السياسية الارترية ومنظمات المجتمع المدنى المعارضة بجميع توجهاتها وألوانها ( تنظيمات سياسية ومدنية ورعيل أول وشباب ونساء ورجال دين – اسلاميين وعلمانيين).  لايوجد مثيل فى الساحة الارترية يوازى هذا الكم الكبير والتنوع الواسع من المنظمات السياسية والمدنية فى مظلة واحدة.

 

توافقت جميع مكوناته على ميثاق سياسى يوحد الرؤية السياسية لادارة الصراع ووثيقة مبادئ دستورية تمثل الحد الأدنى لرسم معالم الحكم فى ارتريا المستقبل التى يسعى الجميع من أجلها بالاضافة الى تحديد الثوابت الوطنية من مثل مسألة الهوية واللغة وملكية الارض ….. وغيرها. وبذلك حسم المجلس الكثير من القضايا الشائكة فى الساحة الارترية.

 

وضع المجلس خارطة طريق تبين ما يجب عمله بدءا من نقطة انشاء المجلس وانتهاءا باسقاط النظام الارترى بل ضمت خارطة الطريق – ان تم الالتزام بها – الخطوات التى ستتبع فى حالة سقوط النظام بفعل المعارضة أو بشكل مفاجئ حتى لايكون هناك فراغ فى السلطة. بل شملت الخارطة كيفية ادارة المرحلة الانتقالية من لحظة سقوط النظام وتولى حكومة انتقالية الى أن يتم انتخاب البرلمان الدائم المنبثق من الشعب الارترى.

 

كون المجلس الوطنى فروع ادارية اقليمية انتظمت فيه جماهيره فى كل بقاع العالم وعملت معا ومازالت وتكونت بينها صداقات عمل وثقة رغم انتماءاتهم المختلفة وهذا مكتسب مهم جدا يجب عدم الاستهانة به.

 

التوصل الى التوافقات أعلاه بين مكونات المجلس الوطنى الارترى قبل سقوط النظام له أهمية كبيرة فى تجنيب البلاد الانزلاق الى حالة فوضى أو صراع بين القوى السياسية المختلفة ان هى التزمت بهذه التوافقات. حيث أن من أهم العوامل التى برزت فى فشل كثير من تجارب الشعوب المجاورة فيما بعد اسقاط الديكتاتوريات هو أن القوى الثورية وقوى التغيير التى توحدت كلها فى اسقاط الديكتاتورية لم تتمكن من توحيد رؤاها – أو تقريبها على الاقل – بعد سقوط الديكتاتور مما أدى الى تحول هذه البلدان الى فوضى داخلية وحرب أهلية وجعلها مرتع خصب لصراع القوى الاقليمية والدولية. ولذلك كانت التوافقات المسبقة التى تمت بين جميع قوى المعارضة الارترى المكونة للمجلس الوطنى خطوة متقدمة وتدل على وعى سياسى كبير.

 

ومع هذه الايجابيات والمكتسبات التى تحققت فى بداية انشاء المجلس الا أن الجماهير أصابها الاحباط من أداء قيادات المجلس التى لم تستطع حل خلافاتها وحولت مسار الصراع الى معارك داخلية بدل أن تكون مع النظام الديكتاتورى. على الرغم من الاحباط الذى أصابنا من أداء قيادات المجلس الا أننى لاأحمل القيادة لوحدها الفشل بل اعتبره انعكاس لوضع المعارضة الحالية قيادة وتنظيمات وجماهير من تشتت وتشرذم وقصر نظر وقلة التفاعل الجماهيرى وانعدام الطموح السياسى فى الأداء.

 

لذا أرى أن يكون التجاوب مع مثل هذه اللقاءات أو الورشات التفاكرية التى ظهرت مؤخرا بطريقة لاتهدم مابنى سابقا من تحالفات بل أن تكون أساس يبنى عليه لتفعيل وتوسيع مظلة المعارضة الارترية لتشمل أولئك الذين هم خارج المجلس.  وهذا بالطبع يتطلب أن تلتزم الأطراف المشاركة فى هذه اللقاءات الجديدة على أمرين:

أن تطالب بضرورة اشراك المجلس الوطنى فى أية تفاهمات جديدة مع قوى المعارضة خارج المجلس

عدم الخروج عن مواثيق واتفاقيات المجلس الوطنى الذى وقعت عليه فى أية تفاهمات جديدة حتى لايهدم ذلك الثقة التى بنيت بين هذه التنظيمات. ولعل تداعيات ورشة فرانكفورت على العلاقات البينية بين قوى المجلس المختلفة خير مثال على ذلك.

 

فمثلا لم لا يتم التفاهم مع القوى الجديدة للمشاركة فى المؤتمر الثانى للمجلس للخروج بمعارضة موحدة بدل بناء تحالفات جديدة؟ أم أن الهدف هو هدم ماتم فى المجلس وبالتالى العودة بمسيرة المعارضة الى نقطة الصفر؟

 

هذه التوصيات والدعوات ليست فقط من باب المثاليات وانما هى من باب الحرص على المكتسبات التى بنتها المعارضة خلال السنين الماضية. ومن باب عصفور فى يد خير من عشرة عصافير فى شجرة. والحقيقة التى يتجاهلها الكثيرون فى وضع المجلس هى أن العشرة عصافير هى التى فى اليد ولكن قوى المجلس تنسى هذه الحقيقة وتجرى خلف العصفور الواحد الذى ليس فى اليد.

 

كما أن هذه التوصية بعدم التفريط فى المجلس الوطنى تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الحالة السياسية الارترية كونها تسير سير السلحفاة نحو الوحدة والتقارب بينما تجري بسرعة البرق نحو الفرقة والخلاف.  فقد كان تكون المجلس كمحصلة لجهود القوى السياسية والمدنية لأكثر من 12 عاما منذ تأسيس أول تجمع وطنى للقوى السياسية الارترية المعارضة عام1999م . لذا فان ضياع المجلس الوطنى أو التفريط فيه  سيكلف مسيرة التغيير والنضال الارترى نحو الحرية والعدالة سنوات عديدة من التيه والتشرذم حتى نصل الى تجربة مشابهة.  فهل أوضاع شعبنا تسمح بذلك؟ وهل الأسهل اصلاح المجلس وتفعيله وتوسيعه أم التفريط فيه ثم الانتظار للمجهول؟  وحتى لوافترضنا أنه من السهل الحصول على توافق جديد وفى اطار سياسى جديد فى فترة قصيرة فماالذى يضمن أن القيادات التى ستأتى من رحم نفس المعارضة والجماهير ستكون مختلفة؟ دعونا لانهدم مابنيناه ونكون مثل التى “نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا”.

 

محمد صالح مجاوراى

مقيم بالولايات المتحدة الأمريكية

07 ديسمبر 2015م

 

** تنويه:_ (المقالة تعبر عن رأي كاتبها، وهيئة تحرير قبيل غير مسؤولة عن فحواها. ورأينا نشرها لحملها صفة المناقشة الموضوعية، لقضايا المعارضة الإرترية في الواقع الراهن. وكذلك تشجيعا للكتابة الملتزمة، بعيدا عن الإسقاط والإحراق السياسي الذي يسود في بعض الكتابات الإرترية). هيئة تحرير قبيل.