Get Adobe Flash player

مناسبة سبتمبر .. وسدنة الدكتاتور

( الحلقة الثانية )

تأتي سبتمبر في عامنا هذا، والآلام هي الآلام، تزداد وتتراكم، والدكتاتور هو الدكتاتور، يزداد غطرسة على غطرسة، وعنجهية على عنجهية، يشد من قبضته، ويضاعف من حدته، وبعض من هؤلاء الرفاق ــــ نتاج هذا الزواج البغيض ـــــ هم الرفاق، ما زالوا كما كانوا من قبل، غارقين في غيبوبة كاملة عن كل ما يجري حولهم من مهانة واحتقار للشعب، يمارسون خستهم ودناءتهم في إذلاله من خلال مختلف الأجهزة الإدارية المنوطة بهم، وبخاصة الأجهزة الأمنية.

لم تستيقظ بعد حتى اللحظة ضمائرهم الميتة، وتتحرك فيها نخوة عواتي، استحضارا لقيم سبتمبر السامية، وابتهاجا بها؛ ليحرروا أولا أنفسهم من حالة الاستضعاف التي هم فيها، والسُخْرةِ المقيتة التي هم تحت قيودها وعبوديتها.

ما زالوا في ضلالهم القديم، يؤدون أعمالهم الرخيصة بالشراهة نفسها، والمهانة نفسها، في حين غشيت المروءة ومعها قدر من المشاعر الإنسانية والوطنية قلوب نفر منهم، فهربوا فارين بأبدانهم.

آخرون منهم ألقى بهم الدكتاتور جانبا على أرصفة أسمرا، يتسكعون في مقاهيها، بلا مروءة ولا مشاعر، كما تلقى نواة التمرة، وقشرة الموز، تنتظر عامل البلدية؛ ليلتقطها هو الآخر، ويلقي بها إلى حيث يلقي النفايات، لا يملكون من أمرهم شيئا، مستعبدون بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني الاستعباد، يتهامسون فيما بينهم بكل حذر ومذلة: أنج سعد فقد هلك سعيد.

في هذه اللحظة من لحظات انهياراتهم النفسية والأخلاقية المتتالية وعى بعضهم انحراف القطار الذي ركبوه انتهازية عن سكته الوطنية، إلى مسار شيوفوني، وبانعطافة حادة، شرد خلالها كل من رفع شارات الخطر أمامه من الرفاق المستغفلين، وزج خلف قضبان السجون والمعتقلات المظلمة، وزنازين الموت القاتلة بكل حر أَبِيِّ اكتشف أن القطار فعلا قد خطف، وتجرأ على انتزاع المقود من بين يدي الدكتاتور ولو بعملية انقلابية، يعيد بها القطار إلى خطه الوطني، وسكته الطبيعية.

تحية لهؤلاء الأباة الأحرار من الجيش الشعبي، حماة الوطن، الذين حاولوا هذه المحاولة الجريئة، وسقطوا في طريق تنفيذها، أو اقتيدوا إلى مجاهيل السجون والحفر التي أعدها الدكتاتور وتحرسها سدنته، وتحية لكل الذين ناصروهم وأيدوهم، من كافة قطاعات الشعب الإرتري، ولعنا وقبحا للذين خانوهم، ونحن إذ نحييهم ونحيي فيهم شجاعتهم، نؤكد أن الأمل ما زال معقودا بنواصي الأباة الأحرار من الجيش الشعبي الباسل الذي جيرت نضالاته البطولية لأهداف شيفونية؛ ليعيدوا المحاولة مرة بعد أخرى، على نحو أكثر حنكة، وأشد إحكاما، وأقوى تخطيطا، وأعمق حذرا، من أجل إعادة القطار المختطف إلى سكته ومساره الوطني.

مثل هذه المحاولة بالتأكيد هي التي أوصلت نفرا من هؤلاء الطفيليين من السدنة إلى النزول من القطار المختطف، واحدا بعد الآخر، مهما كانت الأخطار، ثم الفرار إلى حيث هم الآن في بلاد المهجر، بعض منهم أدرك حجم الانحراف الحاد وبشاعته، وصمم على مقاومة الدكتاتورية ومنازلتها، مهما كانت الجهة التي تستند إليها، ولهؤلاء أيضا كل التحية والإكبار، بينما بعض منهم، هم في انتظار فرصة أخرى؛ ليعودوا كما كانوا سدنة، حِرْفَتُهمْ التي يجيدونها، ربما مع دكتاتور آخر، بعد أن تبخرت أحلامهم، وأمانيهم مع الدكتاتور الحالي.

جميل ما صنعه هؤلاء الفارون المنحازون إلى معسكر المنازلة، أيا كانت نواياهم، ومشاريعهم المستقبلية، يشكرون على ذلك كل الشكر، وجميل ما كتبه بعضهم وسطره، وما يكتبونه ويسطرون، من نقد لاذع لمن كانوا له بالأمس القريب سدنة وخدما، ويحمدون عليه، وهو مظهر من مظاهر صحوة الضمير الإنساني في أنفسهم، ولكن الأجمل منه والأحسن أن يتحلوا بشيء من التواضع أمام هذا الشعب الجريح، بأن لا يجعلوا من أنفسهم أساتذة ومحاضرين، يعلمونه معنى الحرية، ومعنى التحرر، ومعنى الطاغية، ومعنى الطغيان، ومعنى المعارضة، ومعنى الاستبداد، مهما كانت قدراتهم الفكرية في ذلك مهمة، فقد سبقهم بمراحل كبيرة في الوعي بهذه المصطلحات، وتخلفوا هم عن مستوى وعيه بها بمسافة بعيدة، وناضل هو من أجل الارتقاء بوعيهم بها إلى درجة وعيه السامي والناضج، عليهم أن يحفظوا له هذه الميزة، فينحنوا له إكبارا وتعظيما.

جدير بهؤلاء السدنة القابعين في الداخل، الحاملين سياط الجلاد، المكلفين بقمع الأحرار في السجون، أن يتحرروا من قبضة الدكتاتور، ويستعيدوا قدرا من إنسانيتهم الممتهنة، وجدير أيضا بهؤلاء المتحررين منهم، الهاربين بجلودهم إلى الخارج، أن يقدروا هذا الشعب حق قدره، وأن يحسوا بمبادئ سبتمبر الكبرى ومهابتها في أنفس الإرتريين بعامة، جاعلين منها أفضل مناسبة تاريخية للاعتذار إلى هذا الشعب الأبي الذي نكلوا به، وأذاقوه مر العذاب، وللإفصاح عما في جعبتهم من حقائق وفظائع، الشعب في حاجة إلى معرفتها.

جميل بهم أن لا ينظروا إلى توبتهم هذه وعودتهم من بين أحضان الديكتاتور بانحيازهم إلى جبهة المعارضة على أنها مجرد سر بينهم وبين ربهم، يستغفرونه بالأسحار والناس نيام، أو بينهم وبين ضميرهم الذي أفاق واستيقظ بعد سبات عميق، طالت غيبته الكبرى، يؤنبهم على ماضيهم الأثيم، وإنما عليهم أن يسترضوا شعبهم الذي أغضبوه، وأذلوه، وأهانوه، وشردوه، وتجسسوا عليه، وتنكروا له، متضامنين مع الدكتاتور، وأن يعتذروا إليه طالبين منه العفو، والصفح، والغفران، وأن يتكلموا عن الحقائق المؤلمة، كما شاهدوها وشاركوا فيها، كل حسب المهمة التي كان يشغلها، فلا أدري إلى متى يصمتون ولا ينطقون؛ فإن ذلك من حق الشعب عليهم، ومن ضروريات بسط التسامح والتغافر بين كل الشعب الإرتري.

هكذا يسجلون موقفا تاريخيا جديرا بالاحترام، في هذه المناسبة التاريخية العزيزة إلى نفس كل إرتري أبي، وعندها يكون لما يكتبونه وقع ومصداقية في نفوس قارئيه.

يا ليت يدركون أهمية هذه المناسبة في حياتهم السياسية الجديدة، فيكسرون كبرياءهم، وأنفة نفوسهم، وخوفهم من الدكتاتور، ويقدمون إلى هذه الخطوة الجريئة بكل شجاعة، وبكل تواضع ونكران الذات، كفى أن يقولوا: هذه جرائمه .. هذه بشاعته .. هذه شناعته .. نقدمها إليكم موثقة بتاريخها وأشخاصها .. كنا مضللين.. كنا مستغفلين.. كنا ساذجين ... كنا مستغلين... نحن آسفون للوقوف مع الدكتاتور والعمل في أجهزته.

هؤلاء الصاحون من السدنة، والمتمادون منهم في غيهم، كم تسبب بعضهم في كآبة أسرة، وتشردها، وفي رفع تقارير عن أحرار أعربوا عن امتعاضهم مما هو كائن، فغيبوهم في ظلمات بعضها فوق بعض، وفي إخفاء قسري لا أحد يعرف أين مكانهم، وكم نشطوا في الترويج، والتبرير لسياسة القمع والإذلال، والاغتصاب، وفي تشويه الحقيقة وتزويرها.

كم كلفوا الأحرار في معسكر المعارضة، وما زالوا يكلفون حتى اليوم، من جهد فكري، وسياسي، وأمني، واقتصادي؛ لانتشالهم من الحالة المزرية التي كانوا عليها، والتي ما زال بعضهم فيها؛ ليستعيدوا قدرا من إنسانيتهم التي فقدوها، وليستجيبوا لنداء الضمير الإنساني الذي طالما صَمُوا عنه وعَمُوا.

ماذا يعيبهم اليوم لو انتهزوا فرصة سبتمبر المجيدة، وكفوا عن ما هم فيه من تعذيب وامتهان للمواطن واحتقاره، وأنابوا إلى إرادة شعبهم، وتطلعاته نحو الأمن والسلام والاستقرار، وتمردوا على تعاليم الدكتاتور جملة، أو خططوا للتمرد عليها؟ وماذا يضير هؤلاء الهاربين منهم، لو كشفوا عن الحقائق التي يعرفونها، ولا يعرفها غيرهم، واعتذروا عن ما يرون أنهم فعلا أجحفوا به في حق الشعب الإرتري وإنسانيته؟

إنه مطلب أخلاقي، وضميرهم التائب هو وحده من يملي عليهم الوفاء بهذا المطلب الأخلاقي لا غير.

وكتبه الأستاذ الدكتور جلال الدين محمد صالح

7/9/ 2015م

Search our Website