Get Adobe Flash player

الأرض ومصطلح مبقلك .. الدلالة اللغوية .. والمغزى السياسي


أحدثت الجبهة الشعبية الحاكمة بقيادة أفورقي ضمن ما أحدثته من مصطلحات سياسية في ميدان السياسة الإرترية، مصطلح ( مبقلك ).

يأتي هذا المصطلح في سياق تطوير مصطلحات التجرنية السياسية، وربما الفكرية؛ لتكون ــ كما خطط لها ــ اللغة المهيمنة والمتفردة في إدارة البلد، كما هو حاصل اليوم بقهر السلطان الأكسومي وجبروته، لا بإرادة الشعب الحر واختياره، جيء به للدلالة على المنشأ والجذور التي ينحدر منها الفرد الإرتري.

يعود أصل هذا المصطلح إلى اللغة الأجعزية ( جئز ) وهي لغة حميرية، سادت في بلاد الحبشة، منذ ما قبل الميلاد، اشتقت منها كل من (التجرنية) التي يتحدث بها الأجاعز الأكسوميون في الهضبة الإرترية، وفي إقليم التجراي بإثيوبيا، و(الأمهرية) التي يتحدث بها الأجاعز الأمهراويون في إثيوبيا، والتجرايت التي يتحدث بها الأجاعز غير الأكسوميين، من القبائل البجاوية في إرتريا وشرق السودان.

في اللغة العربية الحديثة، ذات القرابة الحميمة بمشتقات اللغة الجئزية الثلاثة ( التجرايت، التجرنية، الأمهرية ) جاء مصطلح (مبقلك) من الفعل ( بقل ) ومعناه (نبت) والكاف ضمير الفرد المخاطب.

كما يستخدم هذا الفعل ( بقل ) في التجرنية بالمعنى نفسه، كذلك يستخدم في التجرايت للمعنى نفسه، من نحو قولهم: ( ذرء بقل ) بمعنى ( بقل الذرء ) ومعلوم أن الفعل في التجرايت يأتي متأخرا عن الفاعل، أي أن الفاعل يتقدم على الفعل، خلافا لعربية الشمال.

مصطلح ( مَبْقَلْ ) هو اسم مكان على وزن ( مَفْعَلْ ) للدلالة على المكان الذي يقع فيه الفعل، من نحو ( مسكن ) بمعنى المكان الذي يقع فيه ( السكن ) وفي التجرايت يقولون: ( مسكب ) المكان الذي يقع فيه ( السكاب ) و ( متكس ) المكان الذي يحدث فيه (التكسي ) 0.

ثمة مصطلحات آخرى ترادف هذا المصطلح معنى ودلالة، تستخدم في المرتفعات، من نحو مصطلح ( دقي أبات ) في التجرنية الذي يعني الأصلاء، أبناء الأرض الحقيقيين، وتستخدم في المنخفضات البجاوية، من نحو ( ود عد ) و ( ود مسمار مدر ) في التجرايت، وكلا اللفظين يعنيان أصالة الانتماء إلى الأرض.

العلاقة بين دلالة مصطلح مبقلك اللغوية ومغزاه السياسي

إذا ما تساءلنا عن وجود علاقة رابطة بين الدلالة اللغوية للمصطلح كما وضحتها، وبين مغزاه السياسي، فإننا نجد بقليل من التأمل في المفردة التي اشتق منها مصطلح (مبقلك ) وهي الفعل ( بقل ) علاقة جد قوية ومتينة ومتلازمة، بين دلالة المصطلح اللغوية ومغزاه السياسي؛ ذلك أن (البقل) نبات ملتصق بالأرض، وقد يكون إلتصاقا صلبا، من خلال الجذور والعروق التي يضرب بها إلى أعماق التربة، ويتغذى من خلالها؛ ليبقى دائم الثبات والرسوخ، عظيم الانتاج والإثمار؛ ولتجعل منه جذوره وعروقه هذه الضاربة به في أعماق التربة صعب الاقتلاع والاستئصال؛ وبهذا يمكنني أن أقول: كم كان موفقا واضع هذا المصطلح للدلالة على مغزاه السياسي بغض النظر عن مراده منه.

المغزى السياسي لمصطلح مبقلك

المغزى السياسي لهذا المصطلح يتحدد في الدلالة على عمق الانتماء الوطني، إلى حد يتمكن فيه الفرد من إثبات أصالته الوطنية من خلال ارتباطه بالأرض أصالة لا طروءا.

لكن هذا المغزى السياسي للمصطلح، بقدر ما هو حساس ومقلق عند بعض الناس، إلا أنه يمثل من جانب آخر ضرورة من الضرورات التي لابد منها في حفظ الحقوق الوطنية، وفي التأسيس الدستوري لمبدأ المواطنة الحقيقية، وتحقيق الاستقرار السياسي، فيما بعد سقوط النظام الشوفيني ذي النهج الأكسومي، فهو يحول دون تهميش أصحاب الأرض الحقيقيين عن السلطة والثروة، وذلك بضمانه لحماية الأرض من النهب والاستيلاء غير المشروع، ويترتب عليه بالضرورة اللجوء إلى الخيار الفيدرالي في حل إشكالية الأرض المرتبطة أصلا بإدارة إشكالية السلطة والثروة، باعتباره أفضل حل مطبق في المنطقة، إذ ما أريد لهذه الإشكالية حلا واقعيا وعادلا من بين الحلول الأخرى المطروحة.

إذن الأرض هي مدار استخدام هذا المصطلح بمترادفاته المختلفة والمتنوعة في التجرنية والتجرايت، في المرتفعات والمنخفضات.

صحيح، أن الذي وضع هذا المصطلح، لم يرد منه هذه النتيجة التي أشرت إليها، ولم يقصد به هذا التفسير الذي فسرته به، وإنما أراد منه مآرب أخرى، تتوافق ونهجه السياسي، ومع ذلك لم يعد المصطلح اليوم ملكا له وحده، يوظفه كيف شاء، ويفسره كيفما أراد، وعلى النحو الذي يخدم به أهدافه ومصالحه، وإنما بات مصطلحا مشاعا، خاضعا لكل أنواع النحليل السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والقانوني، وحتى الديني والثقافي.

بناء على هذا من حقنا أن نفسره على نحو يجعل منه وسيلة إلى تمكين العدالة الحقيقة بدل العدالة الشكلية، رابطين إياه في تفسيرنا هذا بالأعراف المجتمعية المتوارثة بشأن الأرض، عبر الأجيال المتلاحقة، والثقافات المتوارثة، لا المسنونة بالسياسات الاستعمارية، والإرادات الشيفونية.

ماذا تعني الأرض في عرف الانسان الآرتري وثقافته؟

الأرض في عرف الإنسان الإرتري وثقافته الأصيلة، ليست مجرد بقعة للحرث والحصد، والرعي، أو مجرد مأوى للسكن فقط، وإنما هي كل هذا، وفي الوقت نفسه أعظم من هذا وأكبر، إنها ــ باختصار ــ رمز الأصالة الوطنية التي تصل الفرد بجذوره التاريخية، عبر امتداده الزماني فيها، منذ أن وجد عليها أجداده، وسطر عليها تاريخه، فهي هويته، وهي كيانه، وهي تراثه كله، هي ماضيه، وهي حاضره، وهي استمراريته، وبهذا يرى في تجريده منها، تحت قانون 1994 الصادر عن نظام هجدف (الأرض ملك للدولة) تجريده من هويته، واقتلاعه من جذوره التاريخية، وانتزاعه من (مبقله) الذي بقل فيه ونبت، ومسخه إلى كائن لا هوية له، ولا أصول تربطه بالأرض التي يعيش على سطحها، وهو ما يعد أعظم جناية ترتكب بحقه، أيا كان مرتكبها.

الأرض في المرتفعات لا توهب، ولا تورث عبثا، وإنما ضمن أعراف تحكمها، والأرض في المنخفضات كالأرض في المرتفعات، يحكمها تاريخ وأعراف القبائل التي سكنتها وعمرتها، وارتبطت بها كل الارتباط، منذ فجر تاريخها العريق، واتخذت منها مرعى لثروتها الحيوانية، حتى داهمها الاستعمار الغازي، وجعل منها أرضا مستباحة، بما سنه من قانون ( دمنيالي ) في حين بقيت الأرض في المرتفعات محاطة بقانون (الرستي).

كون الاستعمار جعل من الأرض في المنخفضات أرض ( دمنيالي ) لا يعني أن هذا محل قبول ورضى من أصحاب الأرض الحقيقيين، وملزم لهم إلى أبد الدهر، إنه قانون استعماري لا بد أن يذهب مع الاستعمار، كما جاء معه، وتبقى الأرض ملكا لأصحابها الحقيقيين، محكومة بأعرافهم العادلة دون الظالمة؛ حماية لها من نهب الناهبين، وسلب السالبين.

في المرتفعات يعد من لا أرض له كالعود المعلق، لا أصل له، يجرح ويقدح، مهما علت به الأقدار وسمت، فالأرض عندهم رمز الأصالة، ومن لا أرض له لا أصل له.

والأرض في المنخفضلت كالأرض في المرتفعات، في دلالتها على الأصالة، ورمزيتها إلى عمق الانتماء، تنسب إلى ملكية أصحابها الأصليين، فيقال: مدر بلين، مدر بني عامر، مدر ماريا، مدر منسع، مدر بازين، مدر بارية ... وهكذا دواليك، ومن لا مدر له لا أصل له وفق معاييرهم في النظرة إلى الأرض.

مصطلح مبقلك ونظرة الحل الفيدرالي إلى الأرض

إذ كانت الأرض هي ( مبقل ) الفرد الإرتري المعني بسؤال ( مبقلك ) فهو إذن صاحبها الذي بقل فيها، وما دام هو صاحبها الذي بقل فيها، فليس لهذه الصحبة من معنى ما لم يكن هو مالكها وسيدها، من هنا كانت الحركة الفيدرالية الديمقراطية الإرترية أول حركة سياسية تنبهت إلى هذه المسألة، ونصت عليها بوضوح حين قالت: الأرض ملك لأصحابها الأصليين الذين ارتبطوا بها وارتبطت بهم على مدار تاريخهم الطويل، فكانت هي مبقلهم، وكانوا هم مبقلها.

هذا يعني عدم أحقية الاستيلاء عليها من قبل آخرين وفدوا إليها، أو سلبوها بقوة السلطان ونفوذه، أو بممالأة الاستعمار ومناصرته، ولا صلة تاريخية تربطهم بها من حيث الرعي والحرث والوجود.

هذه التظرة هي أحد أهم ثوابت الحركة الفيدرالية التي تضمنتها وثائقها السياسية من أول يوم تأسيسها، وتعاهد أعضاؤها على النضال في سبيلها، وتوعية المجتمع بأهميتها في الصراع السياسي القائم، وهي أصدق من يترجم معنى مصطلح ( مبقلك ) وأقوى من يُفَعِّلْهُ في حماية الأرض من السلب والنهب، وأهلها من التهجير والترحيل القسري.

الأرض وواجب أصحابها

ليس كافيا أن يكون شعار ( الأرض ملك لأصحابها ) مجرد شعار ترفعه حركة سياسية ما، ولكن يجب على أصحاب الأرض أن يكونوا على وعي كبير وعميق بأهمية هذا الشعار في حياتهم السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، ومن ثم يعملون بكل ما أوتوا من قوة في حماية أرضهم التي ولدوا فيها، ورعى عليها أجدادهم الأوائل أو حرثوها، من أن تكون نهبا وسلبا تحت عناوين فضفاضة، ظاهرها العدالة، وباطنها الظلم والشيفونية.

اقتراح ونداء

وحتى تتضح أهمية هذا الشعار في ربط الأرض بأصحابها، وتحويله من مجرد شعار يرفع، إلى واقع يجسد، فإني أتوجه بهذا النداء إلى أصحاب الأرض المرتبطين بها وجدانا وأصولا وتاريخا، وإلى الحركة الفيدرالية بوصفها أول حركة إرترية، قدمت رؤية عدلية للأرض، بتأصيلها لمبدأ ( الأرض ملك لأصحابها ) وإلى كل من يعنيه الأمر من مؤسسات المجتمع المدني مقترحا ما يلي:

أولا: عقد مؤتمر عام في أقرب فرصة مناسبة، في المكان المناسب، تحت عنوان ( الأرض ملك لأصحابها ) تحضره قيادات الإدارة الأهلية أو من يمثلها، ويشارك فيه السياسيون بمنظماتهم المختلفة التي تؤمن بمبدأ ( الأرض ملك لأصحابها ) كما يشارك فيه المثقفون والأكاديميون بأوراق عمل، تؤصل تأصيلا قانونيا، واجتماعيا، وتاريخيا، لمبدأ ( الأرض ملك لأصحابها ) .

ثانيا: يبرز ويؤكد انعدام الشرعية القانونية للاستيطان الحاصل في أرض المنخفضات الإرترية بفعل السياسات المتبعة من قبل نظام أفورقي الشيفوني في غياب دولة القانون ومؤسساتها الدستورية.

ثالثا: يعتمد يوما سنويا باسم ( يوم الأرض ) يتظاهر فيها أصحاب الأرض، وكل من يناصرهم أمام المنظمات الدولية، ضد ما يحدث اليوم لأرضهم من سلب ونهب متعمد وممنهج.

رابعا: يطالب الجهات المعنية من المنظمات الدولية برصد ميزانية حقيقية، تمكن من عودة المهجرين إلى أرضهم، ويدين سياسات نظام أفورقي في بناء وتكريس نهج شيفوني ديكتاتوري يحول دون بناء الدولة العادلة التي تضمن لهؤلاء المهجرين عودتهم إلى أرضهم التي كانوا عليها وهجروا منها.

ميزانية المؤتمر

مؤتمر كهذا من الطبيعي أن لا يتحقق عمليا إلا بميزانية ترصد له؛ لهذا أقترح على الحركة الفيدرالية باعتبارها الجهة المؤمل فيها القيام بهذه المبادرة التحرك نحو مؤسسات المجتمع المدني، من أجل تكوين لجنة اتصال تقوم بتنظيم لقاء عاجل، تنبثق عنه اللجان الآتية:

أولا: اللجنة التحضيرية للمؤتمر تحدد المكان والزمان المناسبين لعقده والشروط اللازمة للمشاركة فيه.

ثانيا: اللجنة المالية التي تقوم بتحديد الميزانية اللازمة لعقد المؤتمر، وتتحرك في الاتصال بالجهات، والأفراد، ورجال الأعمال الإرتريين في المهجر، من السودان، والخليج، إلى أوروبا، وأمريكا، وأستراليا، لجمع التبرعات اللازمة للوفاء بالميزانية المحددة وفق آليات تعتمدها.

ثالثا: اللجنة العلمية التي تقترح العناوين البحثية المتعلقة بشأن الأرض والشخصيات المؤهلة أكاديميا للحديث فيها وإعدادها، ومن ثم طبعها لاحقا بعد إنهاء المؤتمر أعماله في مجلد يخرج باسم المؤتمر؛ لتصبح وثيقة تتضمن بيان مشروعية مبدأ ( الأرض ملك لأصحابها) من حيث الأعراف المجتمعية، والأحقية قانونية، والأهمية الاقتصادية، والضرورة السياسية، و بهذا تكون مرجعا موثقا.

وكتبه/ الأستاذ الدكتور جلال الدين محمد صالح

الرياض 18/4/ 1436هـ الموافق 7/2/ 2015 م

 

Search our Website