Get Adobe Flash player

e.f.d.m. arma 


السودان:

بين السعي المشروع لحل قضاياه، وضرورات قراءة جديدة للملف الإريتري!

 

إعداد : أسرة تحرير قبيل

كلمة فبراير 2015م

 

شكلت أوضاع اللاجئين الإريتريين بصفة عامة، ومعسكر الشقراب بصفة خاصة، وما تعرضوا له مؤخرا من إعتقالات ومحاكمات، قد تفضي إلى تسليمهم لجلاديهم، رأي عام إريتري يدعو إلى رفع عرائض ومطالب للهيئات الدولية ذات الصلة، خاصة عند بدء محاكمة عشرات منهم بتهمة التمرد وإشعال الشغب في المعسكر، وذلك على خلفية غرق مركب أزهق حياة ثمانية عشرة من قاطني المعسكر، في نهر سيتيت، بمنتصف شهرديسمبر العام الماضي 2014م.

 

وفي وقت كان يفترض فيه أن تتصدرعنوانين الوسائل الإعلامية السودانية تقديم المسئولين عن هذه الكارثة للمحاكم والعدالة، فإنها جعلت ممن أثارهم الحدث وتداعياته، مادتها التقريرية الإعلامية، ملحقة بهم شارات إثارة الشغب والتمرد، في معسكر إفتقد منذ تأسيسه لأبسط قواعد الأمن والأمان، حيث شهد عمليات خطف منظمة من قبل عناصر إستخبارات سلطات أسمرا، أو المتعاونين معها، من عصابات الإتجار بالبشر، ما جعل من هذا المعسكر أسوء مكان للجوء في عالم اليوم. والأسوء من ذلك أن تقارير واردة من المنطقة تتحدث عمّن تسببوا في الكارثة، وسعو لإبتزاز بعض الناجين منها بإعادة إختطافهم، ومطالبة أسرهم بفديات، وهم يسرحون بكامل حريتهم، بينما يتم محاكمة من أثارتهم الكارثة، كتداعي طبيعي في مثل هذه الأحوال..!

 

وبما أن الكارثة وتداعياتها لا تمثل إلاّ مستقيما واحدا من أضلع مثلث قضايا اللاجئين الإريتريين في السودان، حيث توجد أطراف أخرى– سودانية وإريترية- تشكل بقية الأضلاع في معاناة وكوارث ومآسي اللجوء الإريتري، فإنه يجب مناقشتها وفق منظور شامل، بإعتبارها واحدة من قضايا الملف الإريتري، يفترض من السودان أن يقوم بإعادة قراءته لإستراتيجيته الحالية، وفق معطيات وحقائق قائمة على الأرض، ويتأذى منها السودان، بذات قدر المعاناة التي تتوالى على اللاجئين الإريتريين في أراضيه.

ظل الملف الإريتري في منضدة الإستراتيجية السودانية منذ إستقلال السودان في القرن الماضي، مسكونا بهواجس ومؤثرات أبعاد ومتقلبات عدة، تمثلت في معادلات تحديد مهددات الأمن القومي السوداني شرقا، وكذلك توازن الثقل بين قواه السياسية ( الصراع ذي الأبعاد التاريخية بين حزبي الأمة والوطني الإتحادي)، ثم متطلبات الحرب بين الجنوب والشمال (سعي أكثر من حكومة سودانية للحد من دور الإمبراطور هيلي سلاسي فيها)، إضافة إلى التماهي مع الصراع بين المعسكرين الدوليين( وقوف حكومة نميري بجانب الثورة الإريترية، وتقديم التسهيلات اللوجستية لها بقدر أساسي في حقبة نظام الدرق الماركسي بإثيوبيا)، إلى أن جاء موقف ثورة الإنقاذ ودورها في المنطقة، وما أحدثه من متغيرات في خارطتها، حيث كانت أول المعترفين بإستقلال إريتريا، ضمن أولويات حساباتها الدولية والإقليمية والمحلية السودانية.

ولكن شهد عهد الإنقاذ والمؤتمر الوطني الممتد لعقدين ونيف تحولات عديدة، فمن تحالف كامل الأبعاد مع الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، ومن ثم نظامها في أسمرا، إلى قطع للعلاقات بينهما، وتبني كل طرف معارضة الطرف الآخر، ثم إحتوائها عبر وساطة قطرية، شملت قفل ملف جبهة الشرق، مقابل خروج المعارضة الإريترية الرسمية من السودان، وإيجاد نوع من الشراكة بين النظامين، ضمانا لبقاء كل منهما.

 

هذه التحولات التي جرت في أوضاع السودان أتاحت الفرصة لنظام أسمرا ليكون لاعبا أساسيا في الساحة السودانية، وبقبول الحكومة السودانية حينا، وبصمتها حينا آخرعن تجاوزاته المتعددة، تحت وطأة إنصرافها لمعالجة بقية قضايا التي تواجهها، وخشيتها من فتح سكون جبهة الشرق. ومفاعيل هذا النهج لا ينحصر فقط في سياسات المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، بل يمتد مداه إلى القوى السياسية السودانية المعارضة، قديمة كانت أم حديثة، والتي تتباكى على ضيق هامش الحريات والفرص المتاحة لشراكتها في إدارة شئون السودان، وتتحالف وبكامل وعيها مع أسوء نظام قمعي عرفته دون منطقة القرن الإفريقي، قديما وحديثا، والمتسم بمعاداته لمجرد سيادة مفاهيم أسس الحكم وسيادة الدستور والقانون، وهامش الحريات، مهما كانت مساحته ضيقة، ليس في إريتريا وحدها، وإنما في جميع دول المنطقة، وكأنها رأت فيما يرى النائم أن لدى سلطات أسمرا بلسما شافيا، يسهم في دفع مسيرة الديمقراطية والشراكة العادلة في السودان..!

 

هذا المشهد يعكس بوضوح أن خلل ما قائمًا في تعامل السودان – حكما ومعارضة- مع الملف الإريتري، وبالضرورة أن هذا يتطلب مراجعة وإعادة قراءة شاملة لإستراتيجية السودان تجاه الملف الإريتري، وفق المستحداث الإريترية ومنها:

 

أولا : إن إعلان إستقلال إريتريا وقيام دولتها لم يكن مجرد تحقيق لكيان سعى إليه الشعب الإريتري فقط، وإنما وضع حدا نهائيا للمشاريع التي كان يجري تداولها في فترة خضوع المنطقة للهيمنة الإستعمارية. مثل إنشاء دول للبجا أو العفر أو تجراي- تقرنيا، حيث تم هذا الإعلان بموجب المشروعية الدولية التي أشرفت على الإستفتاء الإريتري. ورسم الإعلان للخارطة السياسية المعتمدة لدى المجتمع الدولي. وأن إحتمال عودت تلك المشاريع إلى واقع اليوم، رهن بفشل الدول القائمة في تسوية قضاياها الداخلية بصورة عادلة، وتحقيق الشراكة بين مكوناتها، من جهة، وكذلك إلى درجة نجاح المشاريع الدولية التي تسعى لتحقيق ذلك، وهذا بالضرورة أيضا يقع ضمن قدرة هذه الدول في صيانة أوضاعها الداخلية، ومتانة وحدتها الوطنية. وعليه فإن هواجس الأمس حول مهددات الأمن القومي السوداني شرقا، لم يعد مبررا إستمراريتها، ويجب أن تستبدل بمقومات حديثة، تجعل من الإستقرار الداخلي في كلا البلدين بشراكات حقيقية مصانة دستوريا، وتعزيز المصالح المشتركة بين سكان جانبي الحدود، والتنمية المستدامة، أركان بناء إستقرار المنطقة ودولها المتشحة بالإعتراف الدولي.  

ثانيا : إنّ سعي سلطات أسمرا لنيل صفة الشريك في الشأن السوداني، لم ينطلق من أسس بناء إستقرار إقليمي يكون لصالح التنمية والإزدهار في المنطقة، وعلى قواعد إحترام سيادة الدول والإتفاقات القائمة على المصالح المتبادلة. وإنما كان على قاعدة توفير قواعد لعناصر تخريبية يتم تحريكها، وفق وإرادة سلطات أسمرا، وبحسب الضرورة. وأن السودان لمس أثرذلك دوما، في أسلوب تعامل سلطات أسمرا، وسعيها لفك أزماتها الإقتصادية الخانقة، وكذلك لدفع السودان للتراجع عند محاولته وضع إجراءات سيادية وجمركية، تحمي موارده الإقتصادية والتموينية، في ظل معايشته لأوضاع مختلفة، وضعف موارده البترولية، بعد إنفصال الجنوب عنه، في سياق عملية إبتزازية مكشوفة. وهذا ما يوجب مراجعة طبيعة العلاقة القائمة مع سلطات أسمرا، وجدوى إستمراريتها على هذا المنوال، ولمصلحة السودان نفسه قبل غيره.

ثالثا: إن سلطات أسمرا تعانق حاليا مصيرها المحتوم، بعد فشلها الذريع للتحول من تنظيم جبال وأحراش إلى حكومة دولة، ما أنتج ذلك أزمات متلاحقة في داخلها، وكذلك في إدارة البلاد سياسيا وإقتصاديا وإجتماعيا، فما صارت سلطة دولة تقوم على صيانة مصالح شعبها في سياساتها الداخلية أو الخارجية، بمثلما لم تبق على إرث طيب للثورة الإريترية، والذي كان من عناوينها البارزة: عدم التدخل في شئون الآخرين، وإحترام سيادة دول المنطقة، والسعي لكسب تعاطفها. وأن السلطة الحالية جعلت من إريتريا نموذجا للدولة الفاشلة، ويوفر ذلك بكثافة فرص إنهيارها، عند أول هزة داخلية تصيبها. وعلى السودان أن يدرس مسبقا تداعيات وتأثير ذلك عليه، وفي المدى القريب والعاجل.

رابعا :_ إن قضية اللجوء الإريتري إلى السودان كان دوما خيار المضطرين، ولم تمثل يوما تهديدا إستراتيجيا للسودان. لا من جهة تكوينه البنيوي، إذ لم يحدث هذا اللجوء متغيرات في تركيبته السكانية، بل كانت نوعيته تدعم طبيعة توجهات السودان في هذا الشأن، والمتمثل في تغليب ملمح عنصر القرن الإفريقي والبحر الأحمرعلى غيره من العناصرالبشرية. كما أن السودان وعبر ضيافته للاجئين الإريتريين إبّان الثورة الإريترية، إنما حقق مكاسب كبيرة، ومن أهمها الإحترام الكبير لدى الهيئات الدولية والإنسانية العالمية، وكذلك مكاسب إقتصادية وتنموية عديدة. وأن تحولها إلى معاناة وخسائرسمعة، إنما تم في عهد سلطات أسمرا القمعية، إذ لم تكن سببا فقط في إزدياد معدلات اللجوء، وإنما بتورطها في عمليات الإتجار به. وأن أول شكل لذلك، إنما كان بتوفير الغطاء لعدد كبيرمن اللاجئين للتحرك من أسمرا إلى الحدود الإريترية السودانية، تحت حماية أجهزتها، مقابل مبالغ مالية كبيرة توضع في حسابات مسئوليها في أسمرا وغيرها من عواصم الدول، بل توجد مؤشرات واضحة، في علاقاتها ببعض المهربين إلى صحراء سيناء وسواحل البحر الأبيض المتوسط، وبالضروة أن هذا النشاط يتم عبر الأراضي السودانية، ما يكشف عمق تورط سلطات أسمرا في هذا السياق، وما يسحبه من مخاطر عديدة تجاه السودان .

خامسا: لايمكن للسودان أن يغفل عن طبيعة بعض مكوناته في شرق السودان، والتي تختلف كثيرا عن غالبية مكوناته الإجتماعية، في طرق العيش وبناء الثروة، وحقيقة أن عددا كبيرا من أبنائها رهن نفسه لخدمة مشاريع سلطات أسمرا، بل ويتورط في عمليات الإتجار وتهريب البشر من داخل إريتريا وإلى الحدود المصرية الإسرائيلية. وأن معالجة هذا الخلل يعتبر مسئولية سودانية بإمتياز، وكذلك الحد من خروقات أجهزة سلطات أسمرا لأراضيه وسيادته الوطنية، إن مثل هذه المراجعات يجب أن يكون ذلك المقدمة الأولية في سعي السودان لإعادة الثقة به لدى المنظمات والهيئات الدولية ذات الصلة بقضايا حقوق الإنسان واللاجئين، وعلى السودان أن يدرك بحقيقة أن سلطات أسمرا لن تكون الشريك النزيه والأمثل– كبقية حكومات دول المنطقة - في تنفيذ مثل هذه السياسات.

سادسا: إننا إذ نرى في سعي السودان لفرض الأمن والإستقرار في ربوع شرق السودان، عملا سياديا له فوائده للاجئين الإريتريين – وحقيقة تم إنقاذ ضحايا كثر جراء ذلك - قبل السودان وشعبه المضياف، وكذلك في سعيه لإيجاد تعاون دولي وإقليمي، نأمل أن يسود ويسهم في حل مأساة اللاجئين الإريتريين، لنقدم هذه القراءة العامة في شأن تعامل السودان مع الملف الإريتري، منطلقين من قناعاتنا الراسخة بأن السودان هو العمق الإستراتيجي للشعب الإريتري في ماضيه وحاضره ومستقبله. وأن خروج السودان من أوضاعه الراهنة، يعد مكسبا هاما للشعب الإريتري وقواه المناضلة من أجل التغيير في إريتريا، والسلام والإستقرارفي عموم المنطقة. ونعي جيدا أن السودان وبقدراته الفكرية والإستراتيجية والسياسية لأكثر إدراكا من غيره بمصالحه الراهنة والقادمة، وقادر على إنتاج الأفضل دوما لشعبه ولشعوب جواره. وهدفنا من هذه القراءة إنما الإسهام في طرح قضايا اللاجئين الإريتريين في سياق الروابط التاريخية والمصيرية التي تجمع الشعبين الشقيقين، ماضيا وحاضرا ومستقبلا. ومن قبل ومن بعد، فالله والسلام والإستقرار والخير من وراء القصد.

وإلى كلمة تالية .!!

 

 

فيدراليتنا للشراكة!!

 

 

 

Search our Website