Get Adobe Flash player

سليمان أحمد .. وإجابة تساؤلات الصدمة

الحلقة الرابعة

هذه هي الحلقة الرابعة في سلسلة حلقات الإجابة على تساؤلات الصدمة التي طرحها الأخ سليمان احمد:

أخي سليمان قلت: اللاجئ في دول الغرب يمكث من ثلاث إلى خمس سنوات تقريبا، ثم يصبح مواطنا، لا يهمهم بعد ذلك أصله....

أقول لك: هذا في دولة القانون، في العالم المتقدم، حيث مؤسسات المجتمع المدني، والقضاء المستقل، والصحافة الحرة، والشرعية الدستورية، لا في دول العالم الثالث وأنظمتها الشيفونية المقيتة، وانقلاباتها العسكرية، التي تدوس الحقائق وتزورها، وشرعيتها الثورية التي لا تنتهي.

هذا ما أتمناه أن يكون، ليس في بلدي فحسب، وإنما أيضا في كل دول القرن الأفريقي، وددت أن يكون في السودان، إرتريا، إثيوبيا، جيبوتي؛ لكني لا أفكر بعقلية الفيلسوف الذي لا يتعامل مع الواقع كما هو، ولكن كما يحب له أن يكون، وإنما أفكر بعقلية السياسي الذي يتعاطى مع الواقع كما هو، مهما كانت مشاعره تجاهه.

اتخذ الفقيه المالكي أبو زيد القيرواني ــ رحمه الله ــ وهو من كبار علماء المالكية في المغرب، اتخذ كلب حراسة في بيته، فقالوا له: إن مالكا يحرم كلب حراسة، ولا يبيح إلا كلب الصيد، فقال: لو كان مالك حيا لاتخذ أسدا ضاريا.

ذلك أن القيروان ــ وهي مدينة في تونس ــ ليست المدينة النبوية، على ساكنها السلام، حيث كان يعيش مالك رحمه الله، وعصر أبي زيد ليس هو عصر مالك، فما شاهد مالك في المدينة من اللصوص وجرأتهم، ما شاهده أبو زيد في القيروان.

قلت: طالما كان الشخص مخلصا للوطن الذي يحمل بطاقته ...

أقول لك: هذا ما أتمناه وأحبه، ولكن ما معيار هذا الإخلاص للوطن، إذا كان هذا الشخص يجعل من لغته علامة المواطنة الفارقة، وينفي غيره أو يشك فيه، ما لم يتحدث لغته، وما لم يخضع لإرادته السياسية، ويلتزم تنفيذ مشروعه الإقصائي بكل عنجهية وأنانية.

الإخلاص مفردة أخلاقية، لا معنى لها من غير دستور وطني، إن الدستور وحده هو معيار الإخلاص الوطني، وقد صنعت نخبة الشيفونية التجرنياوية المتسلطة دستورا مشوها نابعا من تآمراتها، منفصلا عن إرادة الشعب، ثم اعتقلته، واعتقلت معه كل من عارضها، وما زالت الاعتقالات مستمرة، والفشل يتعمق، والوطن يزداد تأزما.

قلت: ألا يوجد إرتري مسلم خائن وإرتري مسيحي مخلص والعكس كذلك؟ لماذا تربط الخيانة بأصل وفصل، وكلنا يعلم أن إلصاق المساوئ بجنس أو عرق عنصرية مقيتة.

أقول لك: بلى، يوجد مسلم خائن، كما يوجد مسيحي أمين ومخلص، وكل الأديان تنبذ الخيانة وتحض على الأمانة، ولكن أنا لم أقل أن كل مسلم أمين، وكل مسيحي خائن، ولم ألصق المساوئ بجنس أو عرق، أو دين بعينه، حتى تقول لي: لماذا تربط الخيانة بأصل وفصل وكلنا يعلم أن إلصاق المساوئ بجنس أو عرق عنصرية مقيتة).

هذا إذا قرأنا ( تربط ) بفتح التاء على أنه فعل فاعله ضمير مستتر مقصود به (أنا) أما إذا قرأناه بضم التاء على أنه فعل مبني للمجهول، فأتفق معك لا ينبغي أن تربط الخيانة بأصل وفصل، بأي حال من الأحوال، وأدين معك كل فعل من هذا القبيل.!

قلت: اجعلني أكسوميا من تجراي .. وما الضير في ذلك طالما أني أحمل بطاقة إرترية وطنية وأخدمها بإخلاص ؟

أقول لك: لقد جاء منك هذا التساؤل ــ يا أخي سليمان ــ بناء على ما حكيته أنا عن ما دار بيني وبين سائق التاكسي التجرنياوي في الرياض، ولا أظنني كنت عنصريا ولا شيفونيا عندما رددت عليه بذلك الرد المناسب في نظري؛ لأنه كان البادئ، وكان يكفيه أني إرتري، وما كان أي داع لذلك التحقيق الذي أجراه معي لمجرد أني لا أتحدث التجرنية، ومن حقي في الحوار مع هذه النفوس المريضة بالمشاعر الشيفونية، أن أنقل محاوري طالما تعامل معي بغطرسة وكبرياء من خانة الاستعلاء إلى خانة الاستحياء، ومن خانة الهجوم إلى خانة الدفاع، فلا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وما قلته صحيح بكل المقاييس الوطنية، فقد طالبته بما طالبني به، وهو إثبات الهوية الإرترية، فما أنا بأولى منه بالإثبات.

نعم ما الذي يثبت أنه إرتري طالما يتحدث التجرنية، على الأقل بالنسبة لي، فقد يكون أكسوميا، وبالطبع الأكسوميون ليسوا إرتريين، ما عدا الذين يحملون منهم الجنسية الارترية، كما يمنحها القانون الارتري، إذا كان هنالك قانون الجنسيات، وقد بلغني أن حكومة الجبهة الشعبية رحَّلتْ عددا من الأكسوميين، عندما تفجرت الأزمة الإرترية الإثيوبية، ووضعت بعضهم تحت المراقبة الأمنية، كما استصدرت إقامات نظامية لبعضهم، غير أنه يشاع اليوم أن جماعة منهم مكلفون بحماية أفورقي الأمنية، وربما منحهم الجنسية؛ لأهداف سياسية، في غياب دولة القانون، وعليه كل من يتحدث التجرنية ممن تحوم حوله الشبهة مطلوب منه إثبات إرتريته من الناحية القانونية، بإبراز هويته، وإبراز شرعيتها، سواء حصل عليها بالميلاد أو التجنس، ما دام حصل عليها في غياب السلطة التشريعية، ومادام أعطى نفسه حق رفع شعار (مُبُقُلْكَ) على رقاب الآخرين؛ لأن أكسوم هي أصل مبقل (التجرنية) وعدد لا يستهان بهم من المتحدثين بها، من أبناء المرتفعات الإرترية، المسيحيين منهم والمسلمين، من الجبرتة كانوا أم من غيرهم، تحدثوا بها تأثرا بالمجاورة الأكسومية، والمساكنة، لا تحدثا بالأصالة، وهم في الأصل امتداد لقبائل المنخفضات البجاوية، سكنوا المنطقة مبكرا، وليست لهم مشاعر الارتباط بأكسوم، وصراعهم التاريخي معها معروف، والتحالف والتعايش بينهم وبين سكان المنخفضات ممكن جدا، بل وواجب حتمي لابد منه، فهم يعانون كما نعاني، وهم جميعا دون استثناء إخواننا في النسب، والإنسانية، والمواطنة، والصراع في إرتريا ليس صراعا دينيا، بأي حال من الأحوال، بين المسلمين والمسيحيين على أسس دينية، كلا، وإنما هو صراع سلطوي، بين نخبة من الشيفونيين التجرنياويين ومن عداهم من مكونات المجتمع الإرتري، ومن نزع عنا السلطة عنوة، وحرمنا منها قهرا، نزعناها منه قهرا، حتى لو كان مسلما، من المنخفضات أو المرتفعات، لا ننظر إلى دينه ومعتقده، ومنطقته، لا لنتخذها وقفا علينا وحكرا، وإنما لنفككها ونفتتها بين الجميع، وفق نظام فيدرالي نطرحه ونقترحه، ولا نفرضه فرضا؛ ونحارب دولة الظلم وإن كانت مسلمة، ونناصر دولة العدل وإن كانت كافرة، ومن رفع علينا شعار (مُبُقُلْكَ) رفعنا عليه الشعار نفسه (مُبُقُلْكَ).

ولفظة العموم ( كل ) جاءت في سياق حواري مع ناطق بالتجرنية؛ ومن هنا جاءت مقترنة بها (كل من يتحدث التجرنية ) وإلا فالجميع مشمول بها، وداخل فيها من الناحية القانونية أيا كان، فما الشعب الارتري إلا امتداد لشعوب ولغات مجاورة؛ ولأن قانون (مُبُقُلْكَ) الذي سنه النظام يسري على الجميع باعتباره قاعدة قانونية محايدة، يطال كل من ينتمي إلى المجتمع الارتري، خشية أن يكون دخيلا فيه، وليس خاصا بجماعة دون أخرى، والعارفون بمنهجية فقه النص وتفسيره، يستصحبون معهم قرائن الأحوال في تخصيص العام، من نحو قوله تعالى ( تدمر كل شيء ) أي تدمر كل شيء أراد الله تدميره، وما عدا ذلك نوع من اتباع المتشابه ابتغاء تأويله تأويلا يخرج به عن سياقه (والذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) وما أنت من هذا الصنف يقينا، ولكن ما أكثرهم، كَسَّر الله عظامهم، وعصمني وإياك من أوزارهم وأوصافهم.

المواطنون وحدهم من يضع شروط منح الجنسية الارترية، عبر ممثليهم في البرلمان الشرعي المنتخب رسميا، والذي حالت نخبة التجرنية الحاكمة دون نشوئه، وسوف يناقش الجنسيات التي منحت لهؤلاء حتما، عما إذا كانت شرعية أم غير شرعية، والأراضي التي سلبوها باسم المواطنة، وتحت قانون غير شرعي، يجعل من الأرض ملكا لسلطة غير شرعية، وما بني على باطل فهو باطل، وكذلك قضايا (البدون) من أبناء أكسوم، الذين استوطنوا إرتريا في عهد الاستعمار الإثيوبي، وخدموا في أجهزته الأمنية، وقمعوا الشعب، وترفهوا وتعلموا على حساب الإضرار بمصالحه، وهذا جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية التي حرم منها شعبنا اليوم، تحت حكم هذه النخبة المتسلطة التي جيرت الاستقلال لصالح أجندتها الخفية.

نعم كل أكسومي حصل على الجنسية الارترية بعد أن انطبقت عليه شروط منح الجنسية الارترية، وانتمى إلى هذا الوطن انتماء قانونيا فهو إرتري، له ما على الارتريين، وعليه ما على الارتريين، ولا ضير أن يكون في أصله أكسوميا، إنما الضير أن يجعل من ذاته ولغته هُمَا معيار المواطنة، هذه هي نقطة الجدل والصراع .

قلت: إجعلني جبرتيا لغتي التي أعتز بها هي ( التجرنية) ترى كيف سيكون وقع كلامك ...

أقول لك: تحليل الكلام خارج سياقه نوع من فقدان الموضوعية ــ أخي سليمان ــ ونوع من تحريف الكلم عن مواضعه، لا يتورط فيه إلا أولئك الذين في قلوبهم زيغ ــ كما قلت ــ، يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ــ وأنا هنا لا أتهمك أنت بهذا الصنيع أبدا ــ وإنما أتحدث بشكل عام؛ لأن القاعدة في فهم النص أيا كان هذا النص رد المتشابه منه إلى المحكم، واستصحاب القرائن المحيطة بالنص عند محاولة فهم مراده، ومع موافقتي لك على أن ما قلته لذلك السائق التجرنياوي يسبب نوعا من الحرج والانزعاج لكل ناطق بالتجرنية؛ لكونه جاء بصيغة العموم ( كل ) إلا أنه لا يمثل جرحا لمن يثق في إرتريته، فألفاظ العموم تدخلها الاستثناءات بقرائن الأحوال، قال المفسرون في تفسير قوله تعالى ( وأوتيت من كل شيء ) من كل شيء يؤتاه الملوك، وليس من كل شي على الإطلاق.

بموجب هذا تعني ( كل ) كل من يشتبه في إرتريته، وعليه كل إرتري أصيل من الناطقين بالتجرنية وغير التجرنية، مسيحيا كان أم مسلما، جبرتيا كان أم غير جبرتي، هو مستثنى من هذا العموم بقرينة الحال، مهما كانت لغته، فهو إرتري، والمستريب وحده هو من يضع نفسه في موضع الشك.

ليس في هذا العموم خطأ ــ يا أخي سليمان ــ فهو صحيح في مجمله، بغض النظر عن إسقاطاته، فقد يسقطه زيد على نفسه؛ لأمر في نفس يعقوب، ويصر على أنه هو المعني، كاد المريب أن يقول خذوني، في حين عبيد لا يبالي به؛ لأنه واثق من أصالته، وعمق جذوره في أرض الوطن، ولا يثير الجدل بشأنه مسقطا إياه على فئة بعينها من المجتمع إلا جهاز استخبارات النظام؛ لأهداف استخباراتية، تخدم تمكنه من السلطة ومواجهة من ينازعونه فيها، بإلقاء قنابل دخانية، تشغل المجتمع وتصرفه عن مواجهته، ثم أنه عموم قيل في سياق إلقام الحجر لمن يجعل التجرنية العلامة المميزة للإرتري الخالص، متجاهلا كل الفوارق الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، ويفترض أن يفسر ضمن هذا السياق، وهو عموم كما ينطبق على كل ناطق بالتجرنية، ينطبق بالبداهة أيضا على كل ناطق بغيرها..؛ لأن القاعدة القانونية محايدة بطبعها.. .. ولأن قانون ( مُبُقُلْكَ ) الذي سنه النظام، يسري على الجميع، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لا أرى مبررا هنا لإقحام ( الجبرتة ) في الموضوع؛ فالسياق الحواري الذي حكيته مع السائق التجرنياوي، والسياق الاحتجاجي على السياسات المطبقة في إرتريا اليوم من قبل نخبة التجرنية، يرفضان هذا الإقحام بشدة ووضوح، ولا يبررانه أبدا؛ لأن أحد طرفي هذا الحوار لم يكن (جبرتيا) وإنما كان تجرنياويا، وما عرف الجبرتي عندنا ــ نحن أهل المنخفضات ــ بمصطلح (التجرنياوي ) وإنما عرف بمصطلح (الجبرتي ) نظام التجرنية الحاكم في أسمرا هو من قرر إدخاله في مصطلح (التجرنية) من باب أنه يتحدث اللغة نفسها، وهو يرفض هذا الإدخال بشدة، ويرى فيه تدخلا مغرضا في حقيقة هويته التي ارتضاها لنفسه، وعرف بها عبر تاريخه، وبالطبع هذا النظام ليس هو نظام (الجبرتة) ولا يمثلهم أبدا، كما لم يمثل كل أبناء التجرنية الأحرار من أمراض الشيفونية، وإنما يمثل نخبة من شيفونية التجرنية المتسلطة.

المندسون من جهاز استخبارات هذه النخبة التجرنياوية الشيفونية والذين يكتبون بأسماء مستعارة هنا وهناك، هم الوحيدون الذين يتقمصون تارة شخصية الصوفي الورع الزاهد الموالي للمراغنة، المدافع عن الصلاح والصالحين من البيوتات الدينية المباركة؛ لأغراض استخباراتية بحتة، ليس إلا، تستهدف إحداث مزيد من الشق والانقسام بين هذه القبائل التي أسماها جهازهم الاستخباراتي بـ( اللويوجيرقا ) ليدخلوها في صراع طائفي داخلي، يلهيها عن الصراع الأساسي مع مغتصبي حقها؛ وليظهروا لهذه البيوتات الكريمة أنها مستهدفة في مكانتها الاجتماعية، ومنزلتها الدينية، ممن يطلقون عليهم الوهابيين، وأنهم أصدق وأخلص من يواليها، ويحقق مصالحها، وهنا تستدعي هذه العناصر المندسة المراغنة، مصورة نقدهم في تقصيرهم عن الاهتمام بتعليم هذه القبائل في إرتريا وشرق السودان، ببناء المدارس والكليات العلمية، مع ما حظيت به أكفهم من عطايا وقبلات هذه القبائل، على أنه عدوان وهابي، يريد صاحبه التقليل من شأن أولياء الله الصالحين، ونشر مفاهيم التطرف الوهابي مقابل الاعتدال الصوفي بين قبائل (اللويوجيرقا ) على حد وصف كاتب جهاز استخبارات نخبة التجرنية!!.

وتارة أخرى تتقمص شخصية الجبرتي من أجل إقحام (الجبرتة ) هنا، قياما بواجب عملها الاستخباراتي، كما رسمه لها جهاز استخبارات نظام نخبة التجرنية، بغرض استخدام (الجبرتة) في الصدام مع قبائل من أسماهم الجهاز نفسه بـ( اللويوجيرقا ) وبغرض خلق حالة من التناقض بين الجهتين، وأنا على يقين ليس هذا بمقصدك ــ يا أخي سليمان ــ وأنت بريء منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب، ومع ذلك لا بأس أن أقول مؤكدا: لا حرج على الجبرتي، أن يعتز بـ(جبرتيته) التي تميزه عن بقية الناطقين بـ(التجرنية) وعن الناطقين ( بالتجرايت) أو أي لغة أخرى، وقد فعل حين أسس ( حزب النهضة ) ومن حقه أن يقول للجميع: لست أقلية مسلمة من أكثرية أرثوذكسية تجرنياوية، ولا أنا جزء من القبائل الناطقة بالتجرايت، أو البلينايت.. بل أنا جبرتي .. وجبرتي فقط، وأن يعتز بلغته (التجرنية) التي لا تتعارض أبدا مع اعتزازه بإرتريته، علما بأن هناك جبرتيين إرتريين، وجبرتيين أكسوميين، وجبرتيين سودانين، وجبرتيين صوماليين، وكل يعلم أين يضع نفسه، كما أن هناك عفريين إرتريين، وعفريين جيبوتيين، وعفريين إثيوبيين، وكل يعلم أين يضع نفسه، كذلك الأمر لقبائل البجا، منهم سودانيون، ومنهم إرتريون، وكل يعلم أين هو، ومثل ذلك الرشايدة، وقانون الجنسية الارترية يحكم الجميع، كما هو الشأن عند كل دولة، ومع كل الناس، لكن أكسوم هي موطن التجرنية أصلا، وليس السودان وإرتريا والصومال، وما هذا بطعن وإساءة، فما لغات إرتريا إلا امتداد للغات في دول مجاورة، فلماذا التحرج من ربط نسب التجرنية بأكسوم، لا أرى مبررا لذلك، وفي الجبرتيين أبناء القبائل الأخرى، فيهم البنو عامراوي، والبليناوي، والهدندوي، والمارياوي، والعساورتاوي، والسيهاوي، والعفري...وهؤلاء تحدثوا التجرنية تأثرا بالمزاوجة، والتولد، وليست لغتهم بالأصالة.

انطلاقا من مشاعر الاعتزاز باللغة وهوية الذات، تأسس حزب النهضة ــ يعني نهضة الجبرتة ــ ودعا الجبرتة إلى الانخراط فيه للدفاع عن مصالحهم، وتكونت جمعيات الجبرتة في العواصم الغربية وغيرها، حيث يوجد الجبرتيون، بغض النظر عن من هو الجبرتي، واعتقل أفورقي جماعة من وجهائهم، وما أخلى سبيلهم إلا بعد تدخل السفير الأمريكي بأسمرا، وقبائل ( اللويوجيرقا) لا بواكي لهم، وهذا حق من حقوقهم، ولا عيب في ذلك أبدا، وأنا من مؤيديه والمدافعين عنه، لكن ليس من حق الجبرتي أن يفرض التجرنية على غيره، ويجعل منها العلامة الفارقة بين الإرتري وغير الإرتري، أو أن يتحالف ضد هذه القبائل المظلومة، ويتهمها باتهامات غير حقيقية، وهي التي صاهرته، وناسبته، عندها ستدافع هذه القبائل عن مصالحها، وستقاوم بكل ضراوة من لا يحفظ لها حقها، ويتهكم من قيمها؛ لأن كل من يرفع على الآخر شعار (مُبَقَلْكَ ) سيرفع عليه الآخرون الشعار نفسه، وما رأيت حتى هذا اليوم ــ ولله الحمد ــ جبرتيا يجعل من التجرنية التي يعتز بها علامة المواطنة الحقيقية، وما رأيت عقلاء الجبرتة يتآمرون على مجتمع المنخفضات، وما مجتمع المنخفضات إلا قبائل، وإنما هم في تحالف وتصاهر معه، وإذا كان من حق الجبرتة أن يتكتلوا للدفاع عن مصالحهم، فمن حق الآخرين أيضا أن يتكتلوا تحت الاسم الذي يختارونه هم؛ للدفاع عن مصالحهم، وإذا كان من حقهم أن يعتزوا بالتجرنية لغة أمهم، فللآخرين أيضا الحق نفسه في أن يبحثوا عن جذور هذه اللغة أين موطنها الحقيقي في المنطقة التي نعيش فيها؛ ليضعوها في نطاقها الجغرافي الذي تستحقه؛ وليحدوا من شيفونيتها، بالرغم من أن اللغات الثلاثة (التجرايت .. التجرنية .. الأمهرية ) من الجعز وموطن الأخيرتين أصلا إثيوبيا حاليا، بينما موطن (التجرايت ) منخفضات إرتريا إلى شرق السودان حيث قبائل البجا.

ليعلم جهاز استخبارات نخبة التجرنية الحاكمة، أن قبائلنا أضحت تعي كل الألاعيب، وأن مشايخها الأكارم من بيوتاتها التاريخية الدينية والاجتماعية هم أيضا باتوا يعون كل الألاعيب، ولا يمكن أن يقوموا بالدور الذي يخطط جهاز استخبارات نخبة التجرنية توريطهم فيه باسم الاعتدال والتطرف، والصوفية والوهابية.

كما قلت من قبل: إنها على موعد مع الوحدة، وإنها في حالة مخاض، ولكل مخاض آلام كما يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله ولكن بعد كل مخاض لابد من ولادة.

خصومها يريدون إجهاض هذا الجنين لكن يجب على نخبها المثقفة أن تتصدى لإفشال هذه المحاولة، وأن تعمل على نقد الذات في مواجهة كل الصعاب والتحديات، ولا بد أن تلتقي على كلمة سواء بينها، إسلاميوها، وعلمانيوها، صوفيوها ووهابيوها، وأخوانيوها، في جبهة عريضة؛ لمواجهة هذا الكابوس الجاثم على صدرها، وفق ميثاق ورؤية سياسية موحدة، وفي التقائها هذا مصلحة الجميع من كافة الشعب الارتري، وحسم للصراع وجدية في المواجهة، ولا يتضايق منه إلا النظام الشيفوني والمستفيدون منه، الآكلون في كل الموائد.

قلت: أيعقل أن تكون لغتي مصدر شك في إرتريتي؟!

أقول لك :إن الأزمة ــ يا أخي سليمان ــ ليست في اللغة ذاتها، وأصل مصدرها، أيا كانت هذه اللغة، وأيا كان مصدرها، وإنما في جماعة من الناطقين بها، عندما يجعلون منها العلامة الفارقة بين الإرتري وغير الإرتري، ساعتها لابد من التصدي لهم بإحراجهم، وتعبئة الآخرين ضد مشاعرهم الشيفونية، وكسرها في نفوس المتشبعين بها منهم، بإشعارهم أنهم أولى بالتشكيك في إرتريتهم للحقائق التاريخية، ما داموا يشكون في إرترية الآخرين؛ لمجرد أنهم لا يعرفون (التجرنية) ولا ينطقونها، ينبغي أن لا تأخذنا بهم رأفة، ما داموا يحاولون فرضها علينا بقوة السلطان المغتصب ونفوذه؛ ليتخذوا منها لغة الإجماع الوطني، في حين أنها ليست كذلك، وما داموا يسعون إلى صبغ الوطن بلون هويتهم الأكسومية، كما هو حاصل الآن، ضاربين عرض الحائط بكل ما حلمنا به، مما أسميناه بالثوابت الوطنية.

في فترة تقرير المصير شهدت الساحة الارترية نمطا من هذا التراشق الإحراجي، بين التجرنية أنفسهم، حين ألحق السيد (تدلا بايرو) السيد (ولد آب ولد ماريام) بـ(التجراي) سالبا منه إرتريته، ورد السيد (ولد آب) متفاخرا بأصوله التجراوية، وكان ينادي (بتجراي تجرنيا) بينما تبنى السيد (تدلا) مشروع الانضمام إلى إثيوبيا، ثم لاحقا تخلى عنه حين غدر به الإمبراطور؛ ليلتحق كما فعل خصمه السيد ( ولد آب) بقبائل (اللويوجيرقا) التي فجرت الثورة، رافضة الجمل وما حمل، والتي استقبلت الاثنين معا بكل ترحاب وسرور، وتعاني اليوم ــ للأسف ـ الاضطهاد الأمر، يا لسخرية القدر.

قلت : مشروع المنخفضات ماذا فعل بصفوف المعارضة الارترية؟ ألم يزد صفوفهم انشقاقا إلى انشقاق؟!

أقول لك: أود أولا أن ألفت انتباهك إلى أن مصطلح المنخفضات ليس بغريب تداوله في السياسة الارترية، يحلو للبعض أن يشعر الآخرين أنه جاء مع مشروع (الخمسة) في الثمانينيات، بينما الأمر ليس كذلك، ففي الخمسينيات أسست جماعة من كرن، وجندع ناديا ثقافيا في أسمرا، وأسموه نادي (المنخفضتين).

ثانيا: كما قلت لك آنفا لست أنا من أسس رابطة المنخفضات وسماها بهذا الاسم، المؤسسون هم من يتولى الدفاع عن مشروعهم بمضمونه واسمه، وبرنامجه، وبلورة آثاره الإيجابية على مجتمعهم، ولست أنا الناطق الرسمي باسمهم، أنا يهمني من الامر وحدة المظلومين في الوطن، والتصدي للظالمين، بغض النظر عن كون هذا المشروع هو الصالح لوحدتهم أم ذاك، وهل هذا لاسم هو المناسب أم ذاك؟ مع تأكيدي أن محاولات الوحدة وصورها هي في النهاية عمل اجتهادي، قد تخفق وقد تنجح؛ لعوامل في الوسيلة ذاتها، أو في الأشخاص الذين قاموا بها؛ لكونهم غير مقبولين، أو للظرف الزماني الذي جاءت فيه؛ لكونه غير مناسب، أو لخلل في للمحيط الذي طرحت فيه، أو لأي سبب آخر، ومن حق كل فرد أن يتخذ منها الموقف الذي يراه مناسبا وفق اجتهاده، ويطرح بديلا لها مناسبا، ولكن دون تجريم وتخوين وتجريح؛ لأن لا أحد يملك الوصاية الوطنية على أحد، حتى يصف نفسه بالوطني المخلص، ويصف الآخرين بالخونة المجرمين، وهذه هي قمة السلوك الديمقراطي المنشود، كما هو الشأن في المجتمعات الغربية، وحتى لو أخفقت هذه المحاولة فالمسيرة يجب أن تستمر، فصعود القمم واقتحام العقبات، لا يكون من أول خطوة، وإنما على قدر أهل العظم تأتي العظائم، حتى النملة تسقط .. ثم تسقط .. ثم تسقط .. ولكن في النهاية تصعد وتصل إلى قمة ما تريد، فلا يأس أبدا ولا إحباط، مهما تعددت المحاولات، وتكرر السقوط، فالصراع صراع أجيال، والانتصار حتمي، وسيسقط كل الشيفونيين لا محالة، كما سقط هيلي سلاسي ثم منجستو من بعده، وسيلحق المتثاقلون بركب (اللويوجيرقا) كما لحقوا به من قبل، ولكن وعي (اللويوجيرقا ) بمصالحها هذه المرة، لن يمكنهم ــ إن شاء الله ــ من سرقة الثمرة بأساليبهم التضليلية، وشعاراتهم العامة ( حادي هزبي .. حادي لبي ).

وكتبه/ أ. د. جلال الدين محمد صالح

وللحديث بقية

 

Search our Website