Get Adobe Flash player

سليمان أحمد .. وإجابة تساؤلات الصدمة

الحلقة الأولى

وكتبه/ أ. د. جلال الدين محمد صالح

قرأت تساؤلات الصدمة للأستاذ سليمان أحمد، في مقاله المنشور على موقع (عدوليس) تحت عنوان (د. جلال الدين .. وتساؤلات الصدمة ) التي طرحها تفاعلا مع ما كتبته في مقالي المنشور، على الموقع نفسه، بعنوان(يا قبائل اللويوجيرقا.. اتحدوا ) وأنا إذ أكتب إجابتي هذه على تساؤلاته تلك، من الضروري أن أعبر له ــ أولا وقبل كل شيء ــ عن عظيم تقديري وإعجابي بأسلوبه الراقي، وتعبيره اللغوي الرصين، ومناقشته الهادئة الهادفة، التي تَنُمُّ عن رجاحة في العقل، ونضج في التفكير، ومن هنا فليسمح لي هو، ومعه كل الأخوة القراء، وكل الكتاب، وكل المتابعين، من الأخوة الإرتريين، ومن المهتمين بالشأن الإرتري، أن أُكْبِرَ في الأخ سليمان هذه الروح المتسامية، وهذه القدرة

الكتابية، وأن أقول له: إن مقالك هذا كان من أعظم وأحسن ما قرأت، بغض النظر عن مواطن الاختلاف والاتفاق، وإنك بنهجك هذا تمثل أرقى وأفضل مدرسة في الحوار، عند التباينات السياسية والفكرية، نادرا ما لمست مثلها، في حواراتنا الفكرية، وحسم خلافاتنا السياسية، نحن الإرتريين، وإنك بحق نموذج يحتذى، ومثال يقتدى، آمل أن نستفيد منك جميعنا؛ لنرتقي بمنهجية حواراتنا إلى أعلى المقامات، بعيدا عن التشنجات التي لا معنى لها، وإطلاقات الاتهامات التي لا مسوغ لها، وتوزيع التخوينات التي لا هدف من ورائها، غير المكايدات السياسية، والتي تصرف القارئ عن الفكرة المطروحة، إلى نوايا كاتبها؛ لكون المدلي بها يفتقد القدرة على الإدلاء بحجته، وتنقصه الصياغة المنطقية، واللغة الأدبية السلسة، فيستعيض عن ذلك كله بمحاكمة المقاصد القلبية، هابطا بمستوى النقاش إلى الحضيض، ومختزلا الحوار في اتهام الأشخاص.

لقد عصمك الله ــ يا أخي سليمان ــ من نهج هذه المدرسة العنفية غير الموضوعية، في الكتابة والمحاورة، إن صح لنا تسميتها بالمدرسة، وإني لأغبطك على هذا الخلق النبيل، وهذا الأسلوب الحواري الرفيع، وهذه اللغة الأدبية الجميلة، ولا أملك إلا أن أهنئك على ذلك كله، وعلى كل ما سطرت أناملك، و قرأت ووعت ذاكرتك، فإني أرى فيك قيم الانسان القيادي الوفي لشعبه، والمتفاني في خدمة وطنه، وروح الرائد المبادر إلى مصالح قومه، وأحد من يعقد فيهم الشعب الارتري آماله العريضة، في تصدر معركة المواجهة ضد الهيمنة الشيفونية، من فئة متسلطة، من نخبة التجرنية، الحاكمة في أسمرا، باسم الجبهة الشعبية للعدالة والديمقراطية، والمتسلطة على رقاب الشعب الارتري، والمضطهدة بشكل أكثر تركيزا، وأشد إجحافا لقبائل (اللويوجيرقا) على حد تعبير أحد أقلام حوارييها، من كتبتها المفلسين، هذا ظني فيك ــ يا أخي سليمان ــ ولا أزكيك على الله، وهو حسبك وحسيبك، وحافظك، يعلم سرك ونجواك، وما عبرت لك بما عبرت إلا من باب الإشادة بالجميل الذي أظهرته تجاهي، وأنت تحاورني، وتجاه الأدب الصحفي وأنت تتعامل مع قلمه، وتجاه مجتمعك الإرتري وأنت تحمل همه، فشكرا لك أولا وأخيرا، كل الشكر والتقدير.

والآن دعني ــ أخي سليمان ــ أجيب على تساؤلات الصدمة .. سؤالا.. بعد سؤال .. وقد وددت أن أكتب الرد مبكرا، غير أن انشغالي بالاختبارات الجامعية حال دون ذلك، فمعذرة على هذا التأخير .. ولأن المقال سيطول، فإني رأيت نشره على حلقات، ولكن قبل ذلك أحب ــ لو سمحت لي ــ أن أقدم بين يدي الإجابة على تساؤلات الصدمة، النقاط التالية:

أولا: ربما وصفك لما كتبته بـ(الصدمة) جاء من شعورك بتعارضه وتضاربه مع الصورة المرسومة في ذهنك عن (الوطن) كما تحب له أن يكون، في حين أني أرى أن تفكير السياسي، ليس هو تفكير الفيلسوف.

الفارق بين الاثنين، أن الفيلسوف يطرح ما ينبغي أن يكون، متجاوزا الواقع الكائن، وثائرا عليه، ومتمردا، بينما السياسي مهما كانت مشاعره تجاه الواقع، فإنه يتعامل معه بكل تعقيداته، كما هو خارج ذهنه، لا كما يحب له أن يكون، موظفا إياه في خدمة أهدافه السياسية؛ ذلك لأن السياسة هي فعل الممكن، على ضوء معطيات الواقع، فيما يعرف بالواقعية السياسية، لا على ضوء معطيات المستقبل، كما يتخيله الفيلسوف، ومن هنا يختلف كل منهما عن الآخر في التعامل مع الواقع الخارجي، ذلك ما عبرت عنه فلسفة كارل ماركس .. كما عبرت عنه فلسفة أفلاطون .. والفارابي، لكنه ليس هو الأمر نفسه بالنسبة للسياسي الواقعي، فقد جاءت واقعية (جورباتشوف) في البيروسترويكا، والجلاسنوست؛ لتنهي حلم فلسفة ماركس التي خر سقفها على كل من تحتها، وتضع لها حدا نهائيا، حتى ماركسيو قبائل اللويوجيرقا في إرتريا ذهبوا ضحية حلم هذه الفلسفة الحالمة، حين غدرت بهم واقعية شيفونية (سلف ناطنت) التجرنياوية، بالسجن، والنفي، والإهمال.

كذلك كان الأمر من الخميني الذي عقد صفقة سلاح مع الشيطان الأكبر ( الولايات المتحدة) خصمه اللدود، في حربه مع العراق، وعلى الخط نفسه سار خلفه (خامنئي) الذي تحالف أيضا مع الشيطان الأكبر في غزو العراق للإطاحة بنظام صدام حسين البعثي، وغزو أفغانستان للإطاحة بنظام طالبان السني، وفي قمع الشعب السوري وسحقه بالبراميل المتفجرة، في سبيل حماية نظام آل الأسد من السقوط، باسم معسكر الممانعة، مقابل معسكر المسالمة.

هذا التصرف من (الخميني) سابقا، ومن بعده (خامنئي) حاليا، في إدارة الصراع، في المنطقة، هو بالفعل صدمة لمن ينظر إلى السياسة بعقلية الفيلسوف، في حين هو أمر غير مستغرب، بل ولا مستهجن لمن ينظر إلى السياسة على أنها فن التعامل مع الممكن، على ضوء معطيات الواقع، وترتيب أولياته، وبهذا لا يكون هذا التصرف بالنسبة له صادما؛ لهذا كان مقالي سياسيا، وليس فلسفيا، مكتوبا بقلم السياسي وروحه، لا بقلم الأكاديمي وعقليته، فذاك مجال آخر، مكانه قاعات المحاضرات في الجامعات، لا ساحة المغالبات، وأنا هنا لا أقلل من شأن المنهج الأكاديمي، ولا أهمش من دوره، ولكن لكل مقام مقال.

ثانيا: إن طبيعة الصراع المشتعل في إرتريا اليوم، يستدعي التعامل مع الواقع كما هو، وترك الصورة المستقبلية لما ينبغي أن يكون عليه، للمصلحين من الدعاة والفلاسفة، كل حسب تصوراته للمجتمع، وفق عقيدته التي يؤمن بها، ويعمل لها، ولمؤتمر المصالحة الوطنية المزمع عقده ــ إن شاء الله ــ عقب سقوط نظام شيفونية التجرنية.

ثالثا: العصبية العشائرية أو القبلية، أو الجهوية، ليست مذمومة شرعا، ولا عرفا، ولا سياسة، في كل الأحوال، والمقام هنا لا يتسع للحديث عن هذا، فربما كتبت عن ذلك لاحقا، لكن ما أود أن أقوله: إن مطالبة قبائل (اللويوجيرقا) ــ كما يسميها المتهكمون بها ــ بالاتحاد والتوحد لحماية ذاتها، واسترداد حقوقها المسلوبة، ورص صفوفها، لمقاومة النزعة الشيفونية التجرنياوية الممارسة ضدها، والتي تستهدف بالطمس والإزالة كيانها الاجتماعي، والتاريخي، والاقتصادي، والثقافي، باسم الوطن ووحدته، ضرورة اجتماعية، ودينية، وسياسية، وإنسانية، لا ينبغي أن تكون صادمة في نظري، وعلى المثقف المنتمي لهذه القبائل ولغيرها أن ينحاز إلى مصالحها، ويتصدر مسيرة الدفاع عنها، ويلفت نظرها إلى الأخطار المحدقة بها، وإلا خان أمانته، وعَرَّضَ نفسه للمساءلة التاريخية، والأخلاقية، وواجب انحيازه إليها يأتي من كونها مظلومة، لا من كونه واحدا منها، مدفوعا فقط بالعصبية العمياء، كلا، وإنما لهثا وراء العدالة، مشكلا مع الآخرين ممن يشاطرونه الهم، جبهة متحالفة، تضم كل المستضعفين في الوطن، ضد قوى الظلم والاستكبار، تحت شعار، (حتى لا يبقى بمكة مظلوم) كما هو نص وثيقة حلف الفضول الذي شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم وشارك فيه بمكة في دار ابن جدعان، وهو ما نعمل له في إرتريا، وكم كان لينين مصيبا حين ندد بالمثقف المحايد، مطالبا انحياز المثقفين إلى طبقتهم المسحوقة، ولا أرى فارقا بين نداء ماركس ( يا عمال العالم .. اتحدوا ) وبين ندائي ( يا قبائل اللويوجيرقا.. اتحدوا ) والتحدي الوحيد الذي يواجهني في ندائي هذا، مقابل نداء ماركس، هو أن كثيرا من عمال العالم تجاوبوا مع نداء ماركس، فشكلوا جبهة قوية متينة، حطموا بها جدار الإقطاع في أكثر من مكان في الكرة الأرضية، بينما أدانه الإقطاعيون، والرأسماليون، والشيفونيون، وحشدوا كل قواهم الممكنة لمقاومته والقضاء عليه، في حين الإجابة لندائي ستتطلب فيما يبدو لي مزيدا من الصراخ العالي، برفع الصوت، في وسط كم هائل من ضجيج الإدانات والاتهامات، حتى تستيقظ قبائل اللويوجيرقا من سباتها، وتشعر أولا بالخطر المحيط بها، ثم تنهض ثانية لحماية نفسها، وتنظيمها في تجمع سياسي واجتماعي وثقافي، بل واقتصادي، كأنها بنيان مرصوص، تحت قيادة واعية بمصالحها، ومتفانية في خدمتها، وهذا هو الفارق الأكبر بين النداءين.

وللحديث بقية في الحلقة القادمة

وكتبه/ أ. د. جلال الدين محمد صالح

26/7/1435هـ الموافق 25/ 6/ 2014

 

 

 

 

 

 

Search our Website